نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية في منتداه الدوري بتاريخ: الأحد الموافق 31 مايو 2009م ندوة بعنوان " الوجود الأمريكي في القرن الإفريقي " تحدث فيها : الأستاذ صديق محمد أحمد مضوي – باحث بمركز الراصد. والدكتور محمد العباس الأمين – خبير الدراسات الإستراتيجية بجامعة الزعيم الأزهري. كما شارك فيها أيضاً عدد من الباحثين والمهتمين . وقد خرجت الندوة ببعض الخلاصات تتمثل في الآتي :-
1- لم تشغل القارة الأفريقية لسنوات طويلة حيزا كبيرا من اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية، حيث لم تجد في النفوذ الفرنسي أو البريطاني في القارة تهديدا لمصالحها. ولذلك كانت القارة الأفريقية في الخارطة العسكرية الإستراتيجية للولايات المتحدة مقسمة بين ثلاثة قيادات عسكرية أمريكية، حيث كانت مصر ودول القرن الأفريقي تنتمي إلى القيادة العسكرية الوسطى، أما جزيرة مدغشقر فكانت تنتمي إلى قيادة الباسفيك ، بينما كانت بقية دول القارة تنتمي إلى القيادة الأوروبية. لكن التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها القارة في العقد الأخير، والتحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر قد غيرت من رؤية صناع السياسة والإستراتيجية الأمريكيين للقارة الأفريقية.
2- تكتسب منطقة القرن الإفريقي أهمية خاصة للدول الكبرى نظراً لموقعها الإستراتيجي ، ويكتسب أهمية حيوية من الناحية الجغرافية، نظراً لأن دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية ، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية. ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي ، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة. كما أنها تُعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي. ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب ، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية ، خاصة بعد استخراج البترول في السودان ودول أخرى.
3- شهدت منطقة القرن الإفريقي العديد من التحولات خلال الفترة من 2000 إلى 2008م ، فقضايا الصراع الإقليمي مازالت في معظم دولها ساخنة ، ومعظمها تصب في تدعيم وتعزيز الدور الأمريكي في المنطقة ، ولاشك في أن السيطرة على القرن الإفريقي تمثل نجاحاً استراتيجياً للسياسة الأمريكية في المنطقة ، ونقلة استراتيجية على المحيط الهندي من شرق القارة الإفريقية وخليج عدن والبحر الأحمر بغية التحكم في خطوط الملاحة البحرية في المنطقة.
4- لا يمكن فصل القرن الإفريقي والبحر الأحمر عن مجمل المصالح الأمريكية في المنطقة ، وذلك لأنهما يمثلان أهمية خاصة للإستراتيجية الأمريكية في ضوء جملة من الاعتبارات تتمثل في:-
- سعي الولايات المتحدة الدؤوب إلى السيطرة على البحر الأحمر ، وبصفة خاصة مدخله الجنوبي نسبةً لأهميته الاستراتيجية وارتباطه المباشر بمنطقة الخليج العربي.
- ضرورة ضمان استمرار تأمين الخطوط الملاحية التي يمر بها النفط عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
- ما تشكله المنطقة من أهمية استراتيجية في مواجهة التجمع الأوروبي ، سعياً إلى انفراد الولايات المتحدة بالدور الأكثر فاعلية في السيطرة على النفط وطرق نقله.
- حرص الولايات المتحدة على استمرار دورها الفاعل في منطقة الشرق الأوسط بصفةٍ عامة ، والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والخليج بصفةٍ خاصة ، مع العمل على إعادة ترتيب المنطقة بما يتماشى وينسجم مع المصالح الأمريكية الإستراتيجية.
- الأهمية العسكرية للقرن الإفريقي والبحر الأحمر اللذان يشكلان محوراً أساسياً لأي تدخل عسكري محتمل في حالة تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة وما حولها.
- وجود مصالح استراتيجية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في القرن الإفريقي والبحر الأحمر على أساس التزام الأولى بضمان أمن الثانية في مواجهة أي احتمالات مستقبلية لفرض قيود خاصة على مضايق البحر أو الملاحة فيه.
5- احتل القرن الإفريقي موقعاً مهماً في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية ؛ فهو من 4 مناطق تدخل في نطاق اهتمام القيادة المركزية الأمريكية ، وهي مسؤولة عن الأمن في المنطقة الواقعة من كازاخستان شمالاً وكينيا جنوباً ، ومن مصر غرباً حتى باكستان شرقاً، وكانت تلك القيادة قبل إنشاء قيادة آفريكونم تضم 4 مناطق أساسية هي:-
• شبه الجزيرة العربية والعراق ، وتضم دول الخليج العربي إضافة إلى العراق.
• منقطة شمال البحر الأحمر، وتضم مصر والأردن.
• منطقة القرن الإفريقي، وتضم جيبوتي وأثيوبيا وإريتريا والصومال وكينيا والسودان وجزر سيشل.
• منطقة جنوب ووسط آسيا، وتضم أفغانستان وإيران وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية (كازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان).
6- كانت إستراتيجية القيادة المركزية تقوم على 3 عناصر أساسية تتمثل في:-
- القتال لحماية وتنشيط مصالح واشنطن في المنطقة المعنية؛ لاحتواء أي تدفق غير منضبط لمصادر الطاقة بها، وفي مقدمتها النفط، والحفاظ على استقرار المنطقة ؛ وهو ما يتطلب عدة أشياء، منها التلويح باستخدام القوة ، والبقاء في وضع الاستعداد ، والاحتفاظ بقوات لكسب أي حرب بشكل حاسم على كافة مستويات الصراع.
- التدخل للحفاظ على شبكة التحالفات القائمة ، وتطوير شبكة المعلومات، خاصة في مجال الاستخبارات لمقاومة مخاطر أسلحة الدمار الشامل ، والإرهاب ، مع الاحتفاظ بعلاقات ودية مع قادة المنطقة العسكريين والسياسيين على حد سواء.
- التوسع لدعم وتعزيز الجهود البيئية والإنسانية، وتوفير استجابة فورية في أوقات الأزمات البيئية والإنسانية. ولذلك فإن الاهتمام الأمريكي بالقرن الإفريقي ليس وليد اللحظة وإنما هو اهتمام قديم يرجع إلى الأهمية الإستراتيجية للمنطقة. صحيح أن هذا الاهتمام زاد في الآونة الأخيرة بدليل التحركات العسكرية الأمريكية ، إلا أن الوجود كان سابقاً على ذلك ؛ وهو ما يعني أن الوجود ليس فقط من أجل توفير قاعدة إمداد خلفية للقوات العاملة في الخليج ، وإنما يهدف أيضاً إلى قمع القوى الإسلامية ، أو قوى الإرهاب ، كما يحلو لواشنطن أن تطلق عليها في المنطقة.
2. خضعت السياسة الامريكية تجاه افريقيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لعملية تقويم وإعادة ترتيبها لأولوياتها وأهدافها. ومن ثم تأتي السياسة الأمريكية بمدلولها الاستراتيجي لخلق توازنات بواسطة بعض دول القرن الإفريقي عبر ربطها بتحالفات وشراكات لحماية وتأمين المصالح الأمريكية . وقد ارتكزت عملية التقويم والتمحيص في السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا على مجموعة من العوامل والمتغيرات تتمثل في:-
• ازدياد أهمية المرتكزات الإستراتيجية التي تقوم عليها العلاقات الأمريكية الإفريقية في عصر العولمة الأمريكية. فالمحددات الثابتة مثل الموقع الإستراتيجي للقارة والثروات الطبيعية وخطوط التجارة تدفع دوماً إلى التأكيد على أهمية إفريقيا في منظومة السياسية الكونية للولايات المتحدة.
• تغيُّر الصورة الذهنية الخاصة بإفريقيا والتي ظلت مسيطرة فترة طويلة؛ حيث طرأ تغيُّر ملموس فيما يتعلق بسياسات التحرر الاقتصادي.
• تغير رؤى وتصورات الإدارة الأمريكية بشأن المشكلات والصراعات التي تعاني منها مناطق معينة في إفريقيا مثل الجنوب الإفريقي ومنطقة البحيرات العظمى وشرق إفريقيا. فقد أدركت بعض مراكز صنع القرار الأمريكي أهمية تدعيم فرص النمو الاقتصادي في إفريقيا بما يخدم المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة.
• إعادة تقويم السياسة الفرنسية في إفريقيا؛ حيث أضحت الحكومة الفرنسية تسعى إلى انتهاج سياسة أكثر قارية ، وهو ما تمثل في اجتماعات القمة الفرنسية الإفريقية الفرنكفونية التي أصبحت تضم دولاً غير ناطقة بالفرنسية في نفس الوقت الذي اقتنعت فيه الإدارة الأمريكية بأن سياسة المساعدات التي تنتهجها القوى الأوروبية الكبرى قد أخفقت .
7- ظلت توجهات السياسة الامريكية إزاء افريقيا ثابتة بشكل كبير فهي تسعى عموماً الى حماية خطوط التجارة البحرية عبر المحيط الهندي والبحر الاحمر والوصول الى مناطق الثروة ومصادر الطاقة ومحاصرة النظم غير الموالية واحتوائها، إضافةً إلى هدف مركزي للاستراتيجية الامريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر تتمثل في محاربة الاصولية والتطرف الذي – حسب الرؤية الأمريكية - انتشر بشكل واسع في افريقيا ضمن الحملة التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية لمكافحة الارهاب.
8- تحرص الولايات المتحدة ضمن سياسة اعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية في افريقيا على عدة اهداف جوهرية واهمها دفع عملية الاندماج الإفريقي في الاقتصاد العالمي، ولدعم هذه الغاية فإن الإدارة الأمريكية تعمل على ثلاثة محاور دولية أساسية هي:-
- تطبيق مفاهيم الشراكة الأمريكية الإفريقية التي تقوم على إنهاء مرحلة تلقي المساعدات المالية وإحلال مرحلة التبادل التجاري محلها، إضافة إلى تشجيع الاستثمارات الأمريكية في القارة.
- دعم النظم التي تأخذ بمفاهيم التحول الديموقراطي وفقاً للتصور الأمريكي، ولا سيما في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة للمصالح الأمريكية في القارة.
9- تهدف الولايات المتحدة من وجودها في إفريقيا على حماية المصالح الأمريكية الحيوية، ولا سيما الاعتبارات الأمنية. وعلى ذلك فإن الإدارة الأمريكية تولي اهتماماً كبيراً لقضايا انتشار الأسلحة ، ودعم بعض الدول لأنشطة التي تقع في إطار التصور الأمريكي للإرهاب. وبالاستناد الى هذه المحاور ولتطبيق سياسة اعادة بناء التوازنات في القارة الافريقية وضعت الولايات المتحدة بعض الدول الافريقية ضمن اطار استراتيجيتها الخاصة بالاحتواء والمحاصرة للنظم غير الموالية والتي تتمثل حالياً في السودان، ومن هنا تركز الولايات المتحدة على دول مثل إثيوبيا وكينيا وتنزانيا وجيبوتي وتشاد وإفريقيا الوسطى ، كما وتركز الولايات المتحدة ضمن سياسة التوازنات على الناحية الأمنية ، فافريقيا تمثل منطقة تتكاثر فيها التهديديات للمصالح الامريكية ومصالح حلفائها وتأسيساً على ذلك فإن الولايات المتحدة تبنت سياسة لإعادة رسم توازنات القوى في إفريقيا من خلال الهيمنة وبسط النفوذ كي تتاح لها الامكانية لتحريك تفاعلات اللاعبين السياسيين في القارة السمراء . وهكذا بدات الولايات المتحدة بمحاولة لانشاء بنية اساسية للربط بين المناطق ذات البعد الجيو استراتيجي في القارة كشرق افريقيا ومنطقة البحيرات العظمى وهو ما بات يعرف في الفكر الاستراتيجي الامريكي (بالقرن الافريقي الكبير)، وهو ما يضمن الهيمنة على التفاعلات في هذا الجزء المهم وتحريك خيوط اللعبة الاقتصادية فيه من خلال صياغة معادلة الاستثمارات الدولية والتحكم فيها في هذه المنطقة.
10- بغية بناء قاعدة لنفوذها وتأسيس لوضع جديد يفضي الى بنية جديدة من التوازنات داخل القارة عملت الولايات المتحدة على تكثيف وجودها العسكري في إفريقيا حيث شكلت قيادة فرعية ضمن القيادة الوسطى الأمريكية الممتدة من القرن الإفريقي لآسيا الوسطى USCENTCOM، بغرض تنسيق عمليات "مكافحة الإرهاب" في اليمن وجيبوتي وأرتيريا والصومال والسودان وإثيوبيا وكينيا ، أي حول الدائرة الجنوبية للبحر الأحمر. وتسمى هذه القيادة الفرعية قوة التدخل المشتركة في القرن الإفريقي Combined Joint Task Force in the Horn of Africa, CJTF-HOA. ومقرها جيبوتي .
11- تعد جيبوتي القاعدة الأمريكية الإقليمية الرئيسية في القرن الإفريقي، وبالرغم من أن جيبوتي محسوبة على فرنسا؛ حيث يوجد بها أكبر قاعدة فرنسية في المنطقة، إلاّ أن الولايات المتحدة عملت على تكثيف الوجود العسكري بها بغية مزاحمة الوجود الفرنسي في المنطقة ، ولعل سبب اختيارها جيبوتي يرجع لعدة اعتبارات من أهمها:-
- موقع جيبوتي بالقرب من اليمن ومضيق باب المندب.
- صلاحية موانيها ومطاراتها للاستخدام في نقل العتاد الحربي إلى منطقة الخليج ومناطق أخرى من العالم.
- تمتع جيبوتي بحالة من الاستقرار السياسي ؛ وهو ما يؤدي إلى عدم حدوث مشاكل للقوات الأمريكية حال تواجدها.
- موافقة جيبوتي – من حيث المبدأ- على القبول بالوجود الأجنبي على أراضيها.
12- عملت الولايات المتحدة على استغلال الأوضاع الاقتصادية لدول القرن الإفريقي من ناحية، وخلافاتها البينية من ناحية ثانية للحصول على أعلى الامتيازات ؛ حيث تبارت هذه الدول في تقديم فروض الولاء والطاعة لواشنطن ، مقابل تخصيص الولايات المتحدة مبالغ مالية لتحسين الأوضاع المعيشية بها ، وقد نجحت الولايات المتحدة في استغلال تردي الأوضاع الداخلية لدول المنطقة من ناحية (تدهور اقتصادي، اضطرابات وصراعات داخلية في معظم دولها) ، والأوضاع الإقليمية (خلافات بينية كالخلاف بين إثيوبيا وإريتريا، الصومال وإثيوبيا، كينيا والصومال) من ناحية ثانية لتوثيق صلاتها بالنظم الحاكمة بها، والحصول على موافقات صريحة بشأن إقامة قواعد عسكرية، أو تكثيف التواجد العسكري بها، ويأتي إنشاء القيادة العسكرية الخاصة بإفريقيا (آفريكوم) في ذات السياق بغية وضع النواة الأولى لإقامة مشروع القرن الإفريقي الكبير.حيث من المتوقع أن تصبح إحدى دول القرن الإفريقي مقرًّا للقيادة الأمريكية الجديدة لإفريقيا AFRICOM في مقبل الأيام. ويمكن تلخيص أسباب إنشاء القيادة الأمريكية في إفريقيا في:-
- تنامي ظاهرة الإرهاب الدولي في الصحراء الإفريقية.
- تزايد الاعتماد الأمريكي على مصادر الطاقة الإفريقية.
- زيادة الضغوط على قوات (كينتكوم) و(إيوكوم) نتيجة للحرب في العراق وأفغانستان.
- نمو العلاقات بين الصين والدول الإفريقية، ومؤشرات ذلك:-
• الصين تعد الآن ثالث أكبر شريك تجاري مع أفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا.
• تعتبر بكين كذلك المستورد الرئيسي للنفط الأفريقي.
• ساهمت الصين بنحو 150 جنديا في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في أنحاء القارة عام 2004.
13- ُيشكل تأسيس قيادة "أفريكوم" انعطافاً بارزاً في خريطة البنتغون الدولية على نحو منح القارة الإفريقية وزناً أكبر في علاقة بتنامي حاجة الولايات المتحدة إلى النفط الإفريقي. وهي مبادرة تندرج في سياق الحرب الوقائية التي تخوضها الولايات المتحدة ضد ما بات يُعرف بـ"القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وترمي للحيلولة دون حصولها على ملاجئ آمنة في بلدان الساحل أو انتشارها شرقاً نحو منطقة القرن الإفريقي. حيث تشعر القيادة العسكرية الأميركية بالقلق من الوضع في شرق إفريقيا لكونها ترى فيه قاعدة خلفية لتنظيم "القاعدة" وجسراً نحو أفغانستان عبر الصومال. وهذا ما حملها على اتخاذ جيبوتي قاعدة عسكرية يتمركز فيها 1800 عنصر من المارينز بالإضافة لتمركز مجموعة من القطع البحرية والجوية الأمريكية حول حاملة الطائرات (دوايت أيزنهاور) في سواحل الصومال المجاورة لجيبوتي. وقد كرس تأسيس "أفريكوم" نقلة في الحضور الأمريكي في القارة من الاكتفاء بالحضور السياسي والاقتصادي طيلة نصف قرن ، أي منذ مرحلة الاستقلالات الإفريقية ، إلى فرض حضورها العسكري المُترافق مع تزايد الاعتماد على مصادر الطاقة في القارة.
14- تؤجج الولايات المتحدة الأمريكية الصراع الدائر في دول منطقة البحيرات العظمى وأهمها الكونغو الديمقراطية ، اوغندا ، رواندا ، بورندي ، كينيا ، تنزانيا، اثيوبيا، ارتيريا ، والسودان ، بوجه طائفي (اسلامي – مسيحي) لكن له أبعاد خفية ومصالح مستترة سيكون لها دور كبير في ملامح الصراع الدولي خلال الحقبة المقبلة ، لا سيما أن اسرائيل أصبحت لاعب رئيسي في جميع دول منطقة البحيرات العظمى بهدف التحكم في منابع مياه نهر النيل ، بالاضافة للاهداف الاخرى المتمثلة في تجزئة بعض تلك الدول والاستمرار في تجارة السلاح والالماس والذهب والنفط ، ومن المتوقع ان تواصل الادارة الامريكية الجديدة برئاسة باراك اوباما العمل على تحقيق اهداف الادارة الجمهورية السابقة في السيطرة على مجموعة دول منطقة البحيرات العظمى ، فقد تمثلت اهداف الادارة الامريكية هناك في تحجيم النفوذ البريطاني والفرنسي، واقامة (مشروع القرن الافريقي الكبير).
15- ينسجم الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الإفريقي مع الإهتمام الأمريكي بصفته أهم موقع استراتيجي بالنسبة لهم من الناحية الأمنية منذ ولادة الدولة العبرية في المنطقة الإسلامية العربية التي عـرفت إعـلامياً بالشـرق الأوســط ، وتعد إثيوبيــا الحليــف الأول لاستـراتيجيـة إســـرائيل فـي المنطـقة، وبـوابتهـا الطبيعـية إلى بقية دول القرن الإفريقي. ويأتي الاهتمام الإسرائييل بإثيوبيا للحيلولة دون أن يكون البحر الأحمر بحراً عربياً خالصاً؛ لذا استمرت إسرائيل منذ عام 1949م في تقديم مساعداتها العسكرية لجميع حكام إثيوبيا ، وكان لإسرائيل قواعد عسكرية في الجزر الإرترية التي استأجرتها من إثيوبيا حينما كانت إرتريا جزءاً من إثيوبيا.
16- بعد قرب سقوط نظام (منقستو) رفعت إسرائيل الفيتو عن الثورة الإرترية في أهم العواصم الغربية بداية من واشنطن، ولندن، وبون، وروما وحتى باريس؛ فقد كانت إسرائيل تكبل هذه العواصم ، وتحول دون تعاطيها مع الثورة الإرترية على أساس أن الاستقلال الإرتري ضمن ارتباط إرتريا بالعرب يشكل مساساً بأوضاعها الإقليمية (الاستراتيجية، والأمنية) في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ومن ثم فقد جاء استقلال إرتريا عن إثيوبيا بعد رفع الفيتو الإسرائيلي عن استقلالها في تلك الحواضر الغربية؛ وذلك ضمن شرائط، وضمانات تقيد إرتريا من الميل كل الميل نحو النظام العربي ، واستطاعت إسرائيل أن تعيد تأسيس علاقتها من جديد بكل من إثيوبيا وإرتريا على ضمان مصالحها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ، ولم تتأثر تلك المصالح بانفصال إرتريا عن إثيوبيا، وظهورها كدولة مستقلة في القرن الإفريقي.
17- إن الوجود اليهودي في القرن الإفريقي ما زال قوياً ومستمراً، وأنه بشكل أو آخر يعمل في توظيف صراعات القرن الإفريقي العرقية ، ونزاعاته الحدودية لصالح السياسات الإسرائيلية ؛ وذلك باللعب على كل المتناقضات ، واستغلال كل الثغرات المتاحة حتى يبقى قادة الأقلية الحاكمة في المنطقة مرتبطين بالكيان الصهيوني وسياساته حفاظاً على وجودهم في مقاعد الحكم لأطول أمد ممكن، وفي هذا الجانب يتسابق النظامان الأريتري والإثيوبي لمد جسور التعاون مع إسرائيل بغية الحصول على بعض الدعومات، ولذلك يمكن استغلالهما ضد السودان في إطار نظرية شد الأطراف وذلك بفتح جبهات متعددة على الحكومة السودانية تستعصي على الحل على المستوى القريب.
18- تعمل الولايات المتحدة من خلال سياستها تجاه دول القرن الإفريقي إلى الحد من التغلغل الصيني في تلك الدول ، إذ تحصل الصين على 25% من إجمالي وارداتها النفطية من القارة الإفريقية. وبعد اكتشاف النفط في السودان دخلت الصين وبقوة في مجال استخراج وإنتاج النفط السوداني ، وأصبحت فيما بعد أكبر منتج ومستورد للبترول السوداني. ولم يقتصر التعاون الصيني السوداني على قطاع النفط فقط ، ولكنه شمل أيضاً مجالات أخرى مثل الإستثمار في قطاع الزراعة وقطاعات أخرى ، وقد شكل الصين أكبر مستثمر أجنبي في السودان ، كما تعتبر الصين واحدة من أهم الشركاء التجاريين لدول القرن الإفريقي. وتدخل السودان وكينيا ضمن أكبر عشرة أسواق إفريقية تستوعب الصادرات الصينية للقارة ، وكذلك تحتل السودان المرتبة الثالثة ضمن أكبر عشر دول إفريقية مصدرة للصين. وقد شجعت الصين محاولات تحقيق تنمية اقتصادية داخل منطقة القرن الإفريقي، وذلك من خلال تقديم قروض منخفضة الفائدة ، وإعفاء بعض الدول من الديون ، ووضع تعريفات جمركية تفصيلية ، وإقامة مشروعات لتحسين البنية الأساسية مثل الطرق والكباري ومحطات المياه والكهرباء وشبكات الري والاتصالات. والأهم من كل ذلك عدم ندخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. وعلى الجانب الآخر، كانت الصين مصدرًا مهمًا للأسلحة التي حصلت عليها بعض دول القرن الإفريقي مثل الصومال ، وإريتريا ، وإثيوبيا. ووفقا لبعض الإحصاءات فقد وصلت قيمة الأسلحة التي حصلت عليها إثيوبيا وإريتريا من الصين خلال فترة الحرب الحدودية بينهما (من عام 1998 وحتى عام 2000) نحو مليار دولار، وكان ذلك تجاوزاً للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على مبيعات السلاح للطرفين. كما حرصت الصين على تعميق التعاون العسكري بينها وبين جيبوتي، خاصة بعد إقامة قاعدة عسكرية أمريكية داخلها. وعملت الصين من خلال مقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي على تخفيف حدة القرارات الدولية الصادرة تجاه بعض دول المنطقة ، خاصة السودان ، وكان ذلك على عكس رغبة الولايات المتحدة الأمريكية ، كما حرصت الصين على تدعيم علاقاتها ببعض دول المنطقة الحليفة للولايات المتحدة مثل إثيوبيا. لذلك كله تسعى الولايات المتحدة لتحجيم النفوذ الصيني المتزايد في منطقة القرن الإفريقي.
19- بات التنافس الدولي داخل منطقة القرن الإفريقي واضحاً خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة ، خاصة بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. ويرى كثيرٌ من المراقبين أن أي تنسيق بين الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية المنافسة لها داخل منطقة القرن الإفريقي لن يكون غالباً في صالح دول المنطقة وشعوبها ، لأنه سوف يكون موجها بالأساس لخدمة مصالح تلك القوى الدولية بغض النظر عن مصالح دول المنطقة ، ولاشك في أن عدم وجود تنسيق كامل بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي داخل منطقة القرن الإفريقي حتى الوقت الراهن يعطي فرصة سانحة لدول المنطقة لتعظيم مكاسبها من التنافس الدولي حولها. ولذلك يتعين على دول المنطقة اتخاذ خطوات فعلية على صعيد التكامل الإقليمي وتحقيق الاستقرار السياسي وبدء عملية التنمية المستدامة ، والتعامل مع القوى الدولية بمنظور واحد يخدم في المقام الأول مصالح شعوب المنطقة.
20- إن تزايد الوجود الامريكى والاسرائيلى فى منطقة القرن الافريقى مع تراجع الدور الاوروبى ينطوى على مخاطر جمة بالنسبة الى منظومة الامن القومى العربى والاسلامى اذ لم يعد التأثير الصهيونى على السياسة الامريكية قاصراً على القضية الفلسطينية وانما تجاوزها ليشمل على مناطق اخرى من العالم وهو مايعنى اعادة ترتيب خريطة التوازنات الاقليمية فى هذه المناطق بما يخدم مصالح كل من الولايات المتحده واسرائيل وذلك على حساب اطراف أخرى .
21- إن الصورة الكلية لمنطقة القرن الإفريقي الكبير قاتمة جداً ومرشحة للمزيد من الاضطرابات.. هناك صراعات متعددة منها: المشاكل السياسية الداخلية لكل من الصومال وإثيوبيا والسودان وكينيا وأوغندا وهي دول تواجه مشكلات معقدة ومتداخلة ، وهناك حروب أهلية ودويلات مرشحة للظهور مثل دويلة في جنوب السودان ، وهناك صراع حدودي بين بعض دول المنطقة ، ليس أقلها الصراع الصومالي/الإثيوبي في منطقة الأوغادين أو الصراع الإريتري/الإثيوبي في منطقة بادني ، وهناك تدفق للسلاح في المنطقة يحولها إلى منطقة تعج بالمواجهات المسلحة ، وهناك صراع خفي على أطراف ونقاط التماس العربي الإفريقي بين الإسلام والمسيحية.وما يؤجج تلك الصراعات ويزيدها تعقيداً تنافس الدول الكبرى مثل أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا والصين على موارد التي تذخر بها المنطقة وخاصةً منطقة القرن الإفريقي.