نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية في منتداه الدوري يوم الأربعاء الموافق 24 يونيو 2009م ندوة بعنوان "التطورات السياسية والأمنية في مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي بعد خطاب بنيامين نتنياهو حول حل الدولتيـن " تحدث فيها كل من الدكتور . نزار نبيل أبومنشار – باحث فلسطيني. و الأستاذ . الفاتح عثمان محجوب – باحث بمركز الراصد. وقد خرجت الندوة بعدد من الخلاصات التي تتمثل في الآتي : -
1. تشهد المنطقة العربية هذه الايام حراكاً فيما يتعلق بمسار الصراع العربي – الإسرائيلي على مستويات متعددة الحراك ، تجلت في زيارة اوباما للمنطقة وخطابه الذي وجهه للعالم الإسلامي من القاهرة . وفي هذا السياق هناك عدة ملاحظات لا بد من التوقف وهي:-
• لا شك ان اختيار مصر كمنبر لمخاطبة العالمين العربي والاسلامي هو تأكيد على اهميتها ومكانتها الاستراتيجيتين ، وتصحيح لسابقة تقديم تركيا عليها ، ولكن هذا الاختيار جاء مدروساً بعناية ، وبهدف تحميل قيادتها مسؤولية التسويق ، وربما تطبيق خطة السلام الامريكية التي حملها الرئيس اوباما إلى المنطقة ، والتي تتضمن تعديلات جوهرية للمبادرة العربية ، تمثلت أبرز ملامحها في حذف البنود المتعلقة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، والقبول باسرائيل دولة يهودية ، واطلاق عملية التطبيع معها ، مقابل قبولها بحل الدولتين.
• جاءت زيارة الرئيس اوباما بعد اطلاقه تصريحات تؤكد على القدس المحتلة عاصمة ابدية للدولة الاسرائيلية ، وتجديد ادارته للعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا ، واستبعادها كلياً من المجهود الدبلوماسي الامريكي الحالي ، رغم أن أراضيها محتلة ، وتستضيف على اراضيها قيادات لحركات المقاومة الفلسطينية الفاعلة على الأرض.
• لم يتطرق الرئيس اوباما مطلقاً لمسألة الديمقراطية والحريات الاساسية في خطاباته ، وهو الرئيس الذي يمثل حزباً ديمقراطياً، واختياره مصر المحكومة بنظام غير ديمقوراطي، يعكس تناقضاً كبيراً بين أقواله وأفعاله.
• جوزيف بايدن نائب الرئيس الامريكي كشف عن الخطوط العريضة لسياسة ادارته في الشرق الاوسط عندما طالب اسرائيل بالقبول بحل الدولتين ، ولكنه طالب العرب في الوقت نفسه بتقديم تنازلات جديدة، وتعديل المبادرة، والبدء في التطبيع.
• استقبال الرئيس مبارك لرئيس الوزراء الاسرائيلي في شرم الشيخ ، بعد رفضه لحل الدولتين ، وحديثه عن سلام اقتصادي فقط ، وتعهده بمواصلة الاستيطان ، وتأكيده على رفض الانسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة ، كلها مؤشرات على تجاوب مسبق مع الاشارات الامريكية بضرورة التسريع بعمليات التطبيع ، والتقارب مع الحكومة الاسرائيلية الحالية التي توصف بأنها الاكثر تطرفاً منذ قيام الدولة العبرية.
2. يعود القلق من الحراك الذي يدور في المنطقة الى اسباب عديدة ابرزها ضعف العرب ، معتدلين كانوا ام ممانعين ، وخروجهم كلياً من دائرة الفعل على الصعيدين الاقليمي والدولي ، والإستجابة للضغوط الأمريكية الإسرائيلية ، مما يؤدي الى التفريط بالثوابت الاساسية لقضية الصراع العربي الاسرائيلي ، من خلال تعديل ما تسمى بمبادرة السلام العربية لتتجاوب مع التحفظات الاسرائيلية.
3. بعد مباشرة الرئيس الأمريكي الجديد مهامه وتسلم نتنياهو قيادة الحكومة الإسرائيلية عاد الحراك السياسي في محاولة لتشكيل صور للمرحلة القادمة ، من غير وجود رؤية أمريكية واضحة المعالم لمستقبل التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، فالإرتكاز الأمريكي قائم حالياً على قواعد هشة تتمثل في الحل القائم على أساس دولتين فلسطينية وإسرائيلية من دون تفاصيل كقضية القدس واللاجئين على سبيل المثال ، ففي حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأن مدينة القدس بكاملها ستظل تحت السيادة الإسرائيلية وأنها "لن تُقسّم أو تُجزّأ مرة أخرى على الإطلاق" قالت الإدارة الأمريكية إن قضية القدس هي من قضايا الوضع النهائي، وإن إسرائيل والفلسطينيين اتفقوا على أن يتم حل وضع المدينة أثناء المفاوضات. وإنها ستدعم جهود الطرفين من أجل التوصل إلى اتفاقيات لكل قضايا الوضع النهائي. وبالتالي فإن قبول نتنياهو بالطرح الأمريكي تحت عنوان "حل قائم على أساس دولتين" قصد منه إتاحة مساحة لإدارة مسلسل سياسي متحرك لمدة أربع سنوات قادمة.
4. عمد نتنياهو إلقاء خطابه الذي ألقاه يوم 14 يونيو الجاري في جامعة بار إيلان للرد على خطاب أوباما في القاهرة كإشارة على هوية الموقع ، واستطاع نتنياهو أن ينسق خطابه مع أقطاب اليمين في ائتلافه الحكومي بالإضافة غلى رموز كبار داخل حزبه تجنباً لثورة تمرد لا يرغبها ، كما أنه حاول أن يقترب من الطرف الأمريكي ، حيث تشاور مع ميتشل حول مفردات خطابه . وقد أعلن نتنياهو تمسكه بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل ورفضه اعادة اللاجئين الفلسطينيين ، كما كرر رفض تجميد الاستيطان ، واعتبر ان قيام الدولة الفلسطينية مشروط بكونها منزوعة السلاح اولاً وطالب لتحقيق ذلك أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي. واشاد الرئيس الامريكي باراك اوباما بخطاب نتنياهو واعتبره خطوة مهمة الى الامام ، وقال البيت الابيض ان اوباما رحب بتبني نتنياهو قيام دولة فلسطينية. ولذلك ربما لايكون من قيمة مضافة تذكر لخطاب أوباما فيما يخص الفلسطينيين ، ولا لخطاب نتنياهو من بعده ، فقد ظلت الحقائق كما هي على الأرض ، فأمريكا وإسرائيل في حال اندماج استراتيجي يتعزز مع الأيام ، وقد قال أوباما في العام الماضي ، إن الروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للانفصام لا اليوم ، ولا غداً وستبقى إلى الأبد.
5. الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو رفضت مسار (أنابوليس) المرفوضة أصلاً من قبل معظم القوى الفلسطينية ، كما تنصلت عن أي التزام آخر غير مرتبط بمعاهدة قانونية. وظلت متمسكة بيهودية الدولة وبالإستيطان والمسار الإقتصادي مع تغييب كامل لفرضية الدولة الفلسطينية ، وقد أعاد بنيامين نتنياهو التأكيد في خطابه الأخير على ايديولوجيته ومنظوره للسلام والتعايش، وأولويات حكومته في المرحلة المقبلة. حيث وضع السلام في المرتبة الثالثة بعد التهديد الايراني ، والأزمة الاقتصادية ، وطالب الدول العربية بالتطبيع الفوري ، واستثمار اموالهم في مشاريع سياحية واقتصادية في اسرائيل ، ولم يتطرق مطلقاً الى مبادرة السلام العربية ، ولم يشر أيضاً إلى خريطة الطريق ، وشدد على ان جميع قضايا الوضع النهائي ليست موضع بحث ، فالقدس المحتلة عاصمة ابدية لدولة اسرائيل ، وقضية اللاجئين يجب أن تحل خارج حدود هذه الدولة ، اما المستوطنات فهي مستمرة باعتبارها حقاً مشروعاً للشعب اليهودي ، ولهذا يجب ان تتوسع وتزدهر.
6. عندما يؤكد بنيامين نتنياهو وجود تطابق في وجهات النظر بين العالم العربي واسرائيل حول الاخطار التي تمثلها ايران في المنطقة ، في تصريحات نقلتها الاذاعة الاسرائيلية ، وان القلق الاسرائيلي ـ العربي المشترك من طموحات ايران النووية (ظاهرة جديدة) تتيح الفرصة لتعاون غير مسبوق بين اسرائيل والدول الاسلامية ، فإن هذه التأكيدات تعكس انقلابا في المفاهيم الاستراتيجية في المنطقة، وتمهد لتحالف عربي ـ اسرائيلي في مواجهة ايران. ولا شك في أن البرنامج النووي الايراني يشكل قلقا لبعض الانظمة العربية ، لأنه سيؤدي الى انقلاب كامل في موازين القوى لصالح ايران في حال تطوره بحيث ينتج رؤوسا نووية، ولكن هذا البرنامج لا يواجه بالتحالف مع اسرائيل ، وانما بتطوير قدرات عربية مماثلة ، وبناء صناعة عسكرية متطورة ، واعداد الجيوش العربية على اسس حديثة ، بحيث يتم تحقيق التوازن مع اسرائيل وايران معاً . أما محاولة توظيف القدرات العسكرية الاسرائيلية ضد ايران ، مثلما جرى استخدام نظيرتها الامريكية ضد العراق ، فهذا يعني مواجهة النفوذ الايراني بتسليم المنطقة برمتها للهيمنة الاسرائيلية .
7. عندما تؤكد استطلاعات الرأي الاسرائيلية ان ثلث الاسرائيليين سيتركون البلاد، ويهاجرون الى الخارج هرباً، في حال امتلاك ايران قدرات عسكرية نووية، فإن هذا دليل جديد على ان 'استراتيجية السلام' العربية اعطت نتائج عكسية، من حيث مساهمتها في زيادة الهجرة اليهودية الوافدة الى فلسطين والتوسع الاستيطاني لاستيعابها، لما حققته من استقرار وامان وازدهار اقتصادي، يغري هؤلاء المهاجرين الجدد بالتجاوب مع نداءات المنظمات اليهودية الداعمة للمشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة. فإذا كانت القدرات العسكرية الايرانية المتنامية ، والجهود الحثيثة لامتلاك اسلحة نووية ، تثير هذه الحالة من الهلع في نفوس الاسرائيليين ، وتدفعهم للبحث عن ملاذات آمنة لهم ولأطفالهم في دول مثل كندا وامريكا واستراليا واوروبا، لإحساسهم بأن المستقبل مظلم ، فكيف سيكون الحال لو كانت ايران على حدود فلسطين ، او لو ان الدول العربية المجاورة ، مثل مصر والاردن وسورية ولبنان، هي التي تطور اسلحة نووية ، وصواريخ من كافة الاحجام والابعاد ، وتدعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح؟ فالمواقف الاسرائيلية الاستفزازية التي تجلت من خلال خطاب نتنياهو تحتم اجراء مراجعة فلسطينية اولاً، وعربية ثانياً، للنهج المتبع حالياً وهو استجداء السلام ، وبما يؤدي الى العودة الى الخيارات والبدائل الاخرى.
8. تقوم الرؤية الأمريكية لتسوية الصراع العربي الاسرائيلي – االتي يجري التسويق والترويج لها- على مرحلتين اساسيتين الاولى: تسريع خطوات التطبيع العربي الرسمي مع اسرائيل من خلال فتح الحدود والاجواء، والسماح للاسرائيليين بالحصول على تأشيرات دخول الى الدول العربية بشكل طبيعي ، واعطاء الحق لشركة الطيران الاسرائيلية (العال) بالمرور في الاجواء العربية ، والهبوط في المطارات دون اي عوائق . وكل هذا من اجل طمأنة الحكومة الاسرائيلية الحالية ، واقناعها 'بتجميد' الاستيطان، والقبول بحل الدولتين. والثانية: الدخول في مفاوضات على اساس حل الدولتين ، مع تأجيل البحث في قضايا الحل النهائي مثل مستقبل القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين الى مرحلة لاحقة. لذلك فإن الرؤية الامريكية الجديدة وإن كانت من غير تفاصيل تلغي عملياً مبادرة السلام العربية ، او بالأحرى ستحل مكانها ، وتتمثل خطورة التحرك الامريكي الجديد في عدة نقاط نوجزها في ما يلي:
• مطالبة الحكومات العربية بتطبيع العلاقات مع الدولة العبرية (حرية تنقل الاسرائيليين واعطاء ممرات جوية لخطوطهم)، ليس مقابل الانسحاب الكامل ، مثلما نصت مبادرة السلام العربية ، وانما مجرد تجميد الاستيطان وقبول حكومة نتنياهو بحل الدولتين.
• تأجيل القضايا التي تعتبرها اسرائيل شائكة او معقدة، مثل القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهذا يعني قيام دولة فلسطينية، ولو كمرحلة انتقالية، ودون الاتفاق على هاتين المسألتين، اي دولة فلسطينية دون حدود متفق عليها، ودون القدس عاصمة لها. وهذا النهج هو ما جرى اتباعه في مفاوضات اوسلو السرية ، والاتفاق الذي تمخض عنها ، اي نحن امام اعادة صياغة هذا الاتفاق ، وتقديمه بصورة اخرى، من قبل ادارة جديدة.
• توسيع دائرة التطبيع بحيث تشمل الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي (57 دولة)، وانهاء اي خلاف بين هذه الدول والدولة العبرية بعد التوصل الى اي اتفاق سلام وفق المبادرة الامريكية الجديدة.
9. لاشك في أن هذه المبادرة اذا ما تم تبينها من قبل الدول العربية، تعتبر اخطر بكثير من اتفاقات كامب ديفيد التي ادت الى إحداث شرخ كبير في الصف العربي بخروج مصر، وانهاء حالة الحرب بينها وبين الدولة العبرية ، واطلاق يد الاخيرة لشن حروب دموية متواصلة في لبنان (مرتين) وقطاع غزة ، وتدمير المفاعل النووي العراقي 'اوزيراك'عام 1981، وشن غارات في العمق السوري نفسه (ضرب منشآت عسكرية نووية قرب دير الزور).مصدر الخطورة ان اتفاقات كامب ديفيد رغم سلبياتها الكارثية ، تركزت حول العلاقة المصرية الاسرائيلية ، ولم تتطرق مطلقاً الى جوهر الصراع العربي الاسرائيلي ، أي الثوابت الفلسطينية، ولكن المبادرة الامريكية تركز على تسويةهذه القضية ، بالقفز على هذه الثوابت ، تحت ذريعة تأجيلها، والرضوخ بالكامل للمطالب الاسرائيلية في هذا الصدد.
10. المصالحة الفلسطينية تأثرت وستتعثر بسبب التدخلات الخارجية المتمثلة في التدخلات الإسرائيلية والأمريكية والرباعية وذلك من خلال فرض بعض الشروط المعيقة لعملية المصالحة ، فبعض الأطراف الفلسطينية أخذت تستقوي بالتدخلات الخارجية المتكررة وتعتبرها عاملاً أساسياً في الحكم على المصالحة ومخرجاتها ومآلاتها النهائية. ففي مسار الحوارات المليئة بالتباينات وافقت معظم الفصائل الفلسطينية على مقترح تشكيل حكومة مؤقتة من دون برنامج سياسي ، تنحصر مهمتها في تسيير شؤون البلاد وإعادة إعمار غزة والتحضير للإنتخابات ، على أن تكون الرئاسة معنية فقط بالشأن السياسي ، غير أن رئيس وفد حركة فتح في الحوار (أحمد قريع) أعتبر أن ذلك الطرح غير واقعي ، ولن يقبل بحجة أن الحكومة الفلسطينية التي ستشكل يجب أن تعترف بالإتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير حتى يمكن لها القيام بمهماتها ، ناقلاً عن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون في زيارتها الأخيرة للمنطقة قولها أن الإعتراف يجب أن يكون واضحاً وشفافاً حتى يتمكن للإدارة الأمريكية والغرب التعامل مع الحكومة الفلسطينية القامة. ولعل ذلك يوضح بجلاء تأثير العامل الخارجي على الحوار الفلسطيني – الفلسطيني بغية الوصول إلى مصالحة.
11. أخفقت حركتا فتح وحماس في حواراتهما التي استمرت 18 عاماً دون التوصل إلى "عقد" أو "ميثاق" وطني يشكل مرجعية ملزمة ، كما لم تتمكن من التوصل إلى آليات عمل تحترمانها ويمكن تطبيقها على الأرض. ولا يحتاج الطرفان لمن يعظهما حول أهمية الوحدة الوطنية وخطورة المشروع الصهيوني. فالمشكلة بين الحركتين مرتبطة بعدد من العوامل المتداخل، أبرزها:-
• المرجعية الأيدولوجية حيث لا توجد مرجعية فكرية وأيدولوجية واحدة مشتركة تحدد ما هو ثابت مقدس لا يقبل المساومة ، وما هو خاضع للتكتيك والمصلحة والتقدير السياسي وظروف الزمان والمكان وموازين القوى وبيئات العمل وغيرها. ولا شك في أن ذلك ينعكس على البرنامج الوطني والسياسي لكلا الطرفين ، وعلى تحديد الأولويات ، وعلى ما يمكن تقديمه من تنازلات ، وعلى رؤية الطرفين الإستراتيجية والتكتيكية لمشروعي المقاومة والتسوية. وأحد أبرز النماذج على هذه الإشكالية موضوع الاعتراف بالكيان الإسرائيلي ، وما ينبني على ذلك من تنازل عن الأرض المحتلة عام 1948 والتي تبلغ 77% من مجمل أرض فلسطين التاريخية.فبالنسبة لحماس فإن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يمكن التنازل عن أي جزء منها مهما طال الزمن أو اشتدت الضغوط، والمعركة معركة أجيال، كما لا يوجد ما يُبرر التنازل، حتى عندما يكون الفلسطينيون والعرب والمسلمون في أشد حالات ضعفهم. وبالنسبة لفتح فإن الأمر مرتبط بتقدير المصلحة ، ودراسة الواقع وموازين القوى، وتحصيل ما يمكن تحصيله وفق قرارات الشرعية الدولية ، لأن الإصرار على كل فلسطين الآن قد يؤدي إلى خسارة كل فلسطين ، كما لا يمكن المراهنة على عامل الزمن الذي لم يعمل لصالح القضية طوال السنوات الماضية.
• المرجعية المؤسسية وتتمثل في عدم وجود مرجعية مؤسسية يحتكم إليها الطرفان، وتضبط آليات اتخاذ القرار الوطني ، كما تضبط آليات التداول السلمي للسلطة ، وشرعية تمثيل الشعب الفلسطيني. وتشكل منظمة التحرير الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح منذ نحو 40 عاماً، مظلة مقبولة للطرفين. غير أن هذه المنظمة واجهت مشكلتين حقيقيتين: أنه خلال السنوات العشرين الماضية تراجع دورها وضعفت دوائرها، وانزوى تأثيرها في الواقع الشعبي الفلسطيني ، وتكلّست مؤسساتها القيادية ، فعمر لجنتها التنفيذية ومجلسها الوطني الحالي بلغ 12 عاماً أو يزيد ، ولم ينعقد المجلس الوطني في السنوات الـ17 الماضية سوى مرة واحدة سنة 1996. كما "تغوَّلت" السلطة الفلسطينية على المنظمة التي "ولدت ربَّتها" ، إضافةً إلى أن القوى الفلسطينية الصاعدة - وخصوصاً حماس- غير الممثلة في المنظمة، والتي أصبحت تمثل ثقلاً كبيراً في الساحة الفلسطينية، لم تكن لترضى بمجرد الدخول في المنظمة دونما إصلاحات جوهرية تعكس أولاً الحد الأدنى من رؤيتها الأيدولوجية وبرنامجها الوطني، وتعكس ثانياً الوزن الحقيقي والجماهيري لها في الشعب الفلسطيني، كما تصر على أن ينعكس دخولها ثالثاً على عملية إصلاحية حقيقية لبنية منظمة التحرير ومؤسساتها، بحيث تنهي احتكارها أو استخدامها كأداة من قبل فصيل معين. وقد كان واضحاً من خلال السنوات الـ18 من الحوار بين فتح وحماس، أن القيادة المتنفذة في فتح - ومنظمة التحرير- لم تكن جادة في اتخاذ أي خطوات عملية لإجراء إصلاحات هيكلية على منظمة التحرير، بحيث تفسح المجال لمشاركة فاعلة وعادلة للفصائل الأخرى.
• افتقاد عنصر الثقة بين الطرفين ، خصوصاً أن الحوارات والاتفاقات العديدة السابقة أضفت في مآلاتها جوّاً من الإحباط والشك وانعدام الثقة. ولا يثق الكثير من عناصر حماس بقيادة فتح للمسار السياسي الفلسطيني ، خصوصاً بعد مسلسل التنازلات والاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني معها ومع الأمريكان، وبعد التجربة المريرة لأوسلو وما تلاها ، وكذلك بعد اتهام العديد من العناصر القيادية المحسوبة على فتح بالفساد ، فضلاً عن إصابة فتح نفسها بالتشرذم والترهل ، مما يُصعّب على فتح ضبط عناصرها في حال أي اتفاق مع حماس. كما يرى الكثير من عناصر حماس أن فتح ما زالت محكومة بعقلية الهيمنة واحتكار السلطة ، وأنها بالتالي لا توفر أي فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. وفي المقابل ، لا يثق الكثير من عناصر فتح بقيادة حماس للمسار السياسي الفلسطيني، إذ يتهمونها بعدم الواقعية والتسبب في حصار الشعب وبعدم تقديم أية آفاق عملية لحل مشكلاته وهمومه.كما يرى هؤلاء في طريقة المقاومة التي تقوم بها حماس تعطيلاً لمسار التسوية وحلم الدولة الفلسطينية، وتوفيراً للفرصة لإسرائيل كي تتحجج بالذرائع الأمنية للهروب من استحقاقات السلام، واستمرار قمع الشعب الفلسطيني وبناء الجدار العازل والمستوطنات.
• يشكل العامل الخارجي عاملاً مؤثراًَ في عملية الحوار الفلسطيني ، إذ تظهر التجربة أن سبباً رئيسياً لاندفاع فتح للحوار مع حماس في عدد من المراحل ، كان استكمال دائرة شرعية التمثيل الفلسطيني حتى تتمكن من التعامل مع إسرائيل وأمريكا والمجتمع الدولي ومع ما تفرضه التسوية من استحقاقات. ومن جهة أخرى فإن الأجواء التي صاحبت إضعاف حماس ومحاولات تهميشها في تسعينيات القرن العشرين ، كانت تتمّ بمباركة وضغط دولي. وكان التدخل الإسرائيلي والأمريكي واضحاً ومكشوفاً طوال الانتفاضة ، وفي المرحلة التي تلت فوز حماس، في محاولة للتأثير على صناعة القرار الفلسطيني وتقوية طرف ضد آخر ولدعم الانفلات الأمني وإسقاط حكومة حماس وحكومة الوحدة الوطنية ، ثم بتهديد الرئيس عباس بوقف المفاوضات وحصار الضفة إن هو عاد للحوار مع حماس والاتفاق معها.
•
12. يرى عدد من المراقبين أن التجربة التاريخية للحوار بين فتح وحماس تشير إلى أن قيادة فتح لا تلجأ عادة إلى الحوار إلاّ عندما تكون مضطرة لذلك، إما للظهور أمام إسرائيل والمجتمع الدولي بأنها تمثل كل الفلسطينيين ، أو لتوفير الغطاء لتمرير صفقات سياسية، أو لتهدئة الأوضاع بانتظار اجتياز مرحلة أو استحقاق معين. ولا يوجد تفاؤل بأن تخرج الحوارات بين فتح وحماس إلى النتائج المنشودة ، ما لم يتمّ العمل بشكل مخلص وجاد على ترتيب البيت الفلسطيني وفق عقد وطني ملزم مبني على استقلالية القرار الفلسطيني ، وعلى تحييد عنصر التأثير الخارجي فيه ، وعلى إنهاء احتكار فصيل فلسطيني للسلطة والهيمنة والوصاية على مؤسسات صناعة القرار وخصوصاً منظمة التحرير ، وعلى تكريس التداول السلمي للسلطة ، وعلى أن يعكس القرار الفلسطيني ومن يقوده الإرادة الحقيقية للشعب الفلسطيني.
13. إن الربع الأول من العام 2009 سجل تصعيداً إسرائيلياً غير مسبوق فيما يتعلق بالصراع الديمغرافي في مدينة القدس ، ومحاولات الجانب الإسرائيلي حسم هذا الصراع لصالحه عبر سلسلة من الخطوات والإجراءات ، لعل أبرزها عزل تجمعات سكانية كبيرة يقارب عدد سكانها الـ160 ألف مقدسي خارج الحدود البلدية المصطنعة للقدس ، وفق أحدث تقرير صادر عن الأمم المتحدة. وهو عدد يزيد عن التقديرات الفلسطينية المحلية التي كانت تتحدث عن عزل 125 ألفاً في أحياء وبلدات: ألرام ، ضاحية البريد، كفر عقب ، سمير أميس ، مخيم شعفاط ، ضاحية السلام ، وبلدة عناتا ، وهي أكثر التجمعات السكانية المقدسية كثافة. وأشار التقرير إلى أن أبرز الإجراءات الإسرائيلية التي سجلت حتى نهاية العام المنصرم 2008 بهذا الشأن هو استكمال بناء الجزء الأكبر من جدار الفصل العنصري حول المدينة المقدسة، ما جعل هذه البلدات والأحياء بهذا العدد الكبير من سكانها معزولا عن القدس مركز حياته، وهو إجراء يهدد هؤلاء بفقدان حقهم بالإقامة في مدينتهم مستقبلاً ، وبالتالي تكون السلطات الإسرائيلية المحتلة قد نجحت في التخلص من هذا العدد الكبير من السكان دفعة واحدة ، بعد أن كانت إجراءات الطرد الصامت والتطهير العرقي تستهدف أفراداً أو مجموعات صغيرة بذريعة عدم إثبات مركز الحياة في المدينة المقدسة. في حين أن إجراءات الهدم والتهديد بهدم مئات المنازل التي قررتها بلدية الاحتلال في القدس منذ مطلع العام الجاري 2009 تهدد بتشريد أكثر من خمسة الآف مقدسي يقطنون في نحو 1100 وحدة سكنية تلقى أصحابها إخطارات بالهدم . ليضاف هذا العدد من السكان الى نحو 500 نسمة غالبيتهم من الأطفال والنساء هدمت مساكنهم منذ مطلع العام الجديد.
14. يسعى الإسرائيليون إلى زيادة عدد المستوطنين في البلدة القديمة لمواجهة الكثافة السكانية الفلسطينية العالية ، من خلال سيطرتهم على مزيد من العقارات المتاخمة للمسجد الأقصى والمجاورة للحي اليهودي ، وبناء كنس يهودية ومدارس دينية جديدة تستوعب أعدادا أكبر من المستوطنين ، ومن ذلك المخطط القاضي ببناء كلية جامعية في حي برج اللقلق تستوعب نحو 400 طالب ، وبناء مساكن وشقق لهم في ذات الموقع . بيد أن الخطر الأكبر الذي يهدد الوجود الديمغرافي الفلسطيني في القدس القديمة هو استمرار تناقص الوجود المسيحي الفلسطيني العربي ، حيث انتقل نشاط الجمعيات الاستيطانية اليهودية إلى الحي المسيحي. وترتبط المعضلة الديمغرافية ارتباطاً وثيقاً بقضية البناء الفلسطيني في القدس ، حيث تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة خاصة فيما يتعلق بالتنظيم والبناء في القدس أخضعت لاعتبارات سياسية تحددها التوجهات السياسية الإسرائيلية العليا القائمة على نهب أراضي المقدسيين وتقييد النمو الديمغرافي الفلسطيني ومكافحته من خلال مكافحة البناء الفلسطيني في المدينة المقدسة، وعلى هذا الأساس طبقت السياسة القائلة بمنع البناء على 70% من أراضي الضفة ، وعلى 86% من أراضي القدس.
15. هناك جملة من المحددات التي تلعب دوراً في تحديد مسار عملية السلام في الشرق الاوسط بين الجانب الفلسطيني والاسرائيلي خلال المرحلة القادمة ومنها:-
• المحدد الفلسطيني ويعتمد هذا المحدد على مجموعة من الضوابط التي من شانها ان تحدد اتجاه بوصلة عملية السلام في الفترة القادمة ومن اهمها:-
أ. قدرة حركة حماس على التعايش مع المراحل المختلفة للصراع ، والتغلب على ما يكتنفها من اشكاليات في قطاع غزة .
ب. قدرة حركة حماس على التعايش مع الوضع الجديد في الضفة الغربية وصناعة بيئة من خلالها تستطيع أن تتعايش وتعمل بشكل يجعلها تنمو.
ت. قدرة حركة فتح على معالجة قضاياها الداخلية وتجميع صفوفها بحيث تعيد اللحمة والتناسق للجسم الفتحاوي المبعثر .
ث. قدرة فتح وحماس على صناعة برنامج سياسي موحد يقوم على الوحدة الحقيقية ويكون قادر على رسم سياسة فلسطينية عامة وموحدة تفصل بين التكتيكي والاستراتيجي وقائم على وضح الاهداف وغموض الوسائل.
• في حال تحققت هذه النقاط تكون حماس بحاجة الى بلورة برنامج سياسي يؤهلها السيطرة على دفة العملية السياسية ، فهي بحاجة لاثبات قدرتها في ادارة دفة الحكم وتحقيق البرنامج السياسي للحركة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وهذا لن يتحقق الاّ عبر استراتيجية تستوعب كل المتغيرات الماثلة الداخلية منها والإقليمية والدولية.
• فيما يخص حركة فتح فستبقى تواجه مشكله في صنع السلام الكامل على الرغم من أنها اقدر من حماس في الوقت الحالي على ادارة علاقات السلام ويعود ذلك لعدة اسباب ومن اهمها:-
- حركة فتح بصفتها التنظيمية وما تعانيه من ترهل تنظيمي لن يكون بمقدورها السيطرة على نتائج العملية السلمية خاصة اذا لم تكن حماس في خندقها واصطفت حماس في الصف المقابل.
- حركة فتح لم يعد لديها ما تقدمه من استحقاقات العملية السلمية سوى قضية اساسية وهي التخويف من انه اذا لم يتم الحل معها فسيتم مع حماس الاكثر تشدداً وهنا سيكون مطلوب من فتح تقديم تنازلات في العملية التفاوضية تجعل العملية بالكامل مرفوضة.
16. المحدد الابرز يتمثل في اصطفاف فتح وحماس خلف سياسية فلسطينية موحدة ، وفي هذه الحالة تستطيع فتح ان تدير علاقات السلام بشكل جيد وتستطيع حماس في النهاية ان تلعب الدور المكمل في صناعة السلام.
17. وحيث ان طبيعة التطورات على الساحة الإسرائيلية بعد فوز اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو فإن نتنياهو سيستغل عدم القدرة الفلسطينية من اجل التخلص من روح ما بعد أوسلو والإبقاء على الفلسفة التي قام عليها أوسلو، وهنا لن يحدث أي تقدم في العملية السلمية وقد تكون التطورات القادمة وقت إذ تتجه باتجاه تصاعد أعمال العنف المزدوج.
18. بات الوضع الإقليمي والدولي مرتبط بشكل لا يمكن الفصل بين جزئيه فيما يخص العملية السلمية ، خاصة إذا تم الحديث عن حرب إقليمية - دولية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية فستتدخل إسرائيل وستدفع الدول العربية الثمن.