الآثار المترتبة على قرار المحكمة الجنائية وآليات التعامل معها
نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية حلقة نقاش لتدارس الآثار المترتبة على قرار المحكمة الجنائية الدولية في حق السيد رئيس الجمهورية وآليات وطرائق التعامل معها بغية مد مواقع إتخاذ القرار ببعض المعلومات والملاحظات التي يمكن أخذها في الإعتبار في التحرك الخارجي لتلافي تداعيات القرار . وقد شارك في الحلقة جمع من الباحثين والمهتمين . ونود الإشارة إلى أهم خلاصات تلك الجلسة وذلك على النحو الآتي :-
1. بالنظر لقراري مجلس الأمن 1591 و1593 والذي أحال الوضع في دارفور أثناء صدوره إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية يتلاحظ أنهما صادران تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو الفصل الخاص بالنزاعات المسلحة التي تهدد السلم والأمن الدوليين. ومن الثابت - رغم التضخيم الذي حدث للأوضاع في دارفور – أنه لا يمكن وصف الأحداث التي تجري في دارفور كما تزعم قرارات مجلس الأمن (بأنها تعرِّض السلم والأمن الدوليين للخطر) بمعنى أنها ستتحول من منازعات محلية بحتة بين جماعات شبه عسكرية خارجة على القانون ضد السلطة الشرعية في البلاد إلى منازعات تستخدم فيها القوة المسلحة التي يمتد نطاقها إلى خارج السودان على نحو يخل بالسلم والأمن الدوليين بما يتعارض مع أهداف الأمم المتحدة ومبادئها الأساسية. كما أن الوقائع في دارفور لا تشير من قريب أو بعيد إلى أن هناك نزاعات بين السودان وإحدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من شأن إستمراره أن يعرِّض حالة السلم والأمن الدوليين للخطر حتى ولو تم التسليم جدلاً بأن هناك إنتهاكات للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان في دارفور ، وهذا الأمر قابل للرد عليه بالوثائق والأدلة والبراهين وشهادة الشهود .
2. لم يشر مجلس الأمن في قرار إحالة ملف دارفور للمحكمة الجنائية إلى حادثة معينة ولامتهمين بعينهم ، وإنما ترك للمحكمة أن تتولى الأمر وتتحرك في إتجاهات متعددة أبعدتها كثيراً عن المسار القانوني بحيث اصبح الرافع السياسي واضحاً جداً ، وهو رافع لا يتعلق بالمحكمة وإنما بالدوائر المؤثرة في المنظومة الدولية بشكلٍ عام .
3. جاء قرار المحكمة الجنائية القاضي بتوقيف السيد رئيس الجمهورية رمز سيادة البلاد بعد أن شكل السودان محط أنظار المستثمرين من كل أنحاء العالم خاصة بعد مؤتمر روما الذي رشح السودان ضمن عشر دول يمكن أن تساهم في تجاوز أزمة الغذاء التي تجتاح العالم والتي ستتصاعد في الفترة المقبلة ، ومن ثم هدفت القوى المعادية إلى إجهاض التحرك نحو السودان للإستثمار في شتى المجالات ، وخلق واقع مغاير لما هو على أرض الواقع إنطلاقاً من مبدأ ديمومة الوضع الراهن في السودان .
4. قرار المحكمة الجنائية الدولية القاضي بتوقيف السيد رئيس الجمهورية له مردود سالب على أوجه الحياة في السودان من جوانب متعددة ومختلفة، ولا يمكن الإستهانة به بأي حالٍ من الأحوال ذلك أن القوى الدولية المعادية للبلاد تحاول استثمار القرار لبعد درجة ممكنة في سبيل الضغط على السودان عملاً بنظرية شد الأطراف وشل حركة الحكومة من خلال انتاج أزمات متتالية .
5. من الصعب التعامل مع قرار المحكمة بالإعتماد على المسار القانوني البحت إذ لابد من إدراك المنطلقات ذلك أن المحكمة تتعاطى كثير من السياسة مع قليل من القانون ، وهذا لا يعني عدم إبداء الدفوعات القانونية بغية تفنيد إدعاءاتها من الزاوية القانونية، ذلك أن ميثاق روما يتألف من مائة وعشرين مادة وأن قواعد إجراءات المحكمة تتألف من مائتين وعشرين قاعدة كلها نصوص متشابكة تفتقر للوضوح وتحتاج إلى دراسة متأنية للوقوف على أبعادها والتعامل معها ، وهو أمر لن يتأتى إلاَّ لخبراء على درجة واسعة من العلم والمعرفة ومن الخبرة بالقانون الدولي ، وقد يقتضي الأمر الإستعانة بخبراء دوليين يسهمون في طرح وجهة النظر السودانية المتمحورة حول الإعتراض على صلاحية المحكمة . هذا إضافةً إلى التعامل السياسي مع الدول المحركة للمحكمة (أمريكا ، فرنسا ، بريطانيا) ذلك أن المحكمة ليست إلاَّ آلية لممارسة ضغط على البلاد لتحقيق بعض الأجندة . فلا يمكن الإعتماد على المسار القانوني وحده .
6. يشكل المسار السياسي مرتكزاً أساسياً ذلك أن أزمة دارفور هي أزمة سياسية في المقام الأول، والحل السياسي هو الذي يضمن توفير الأمن والإستقرار ، ويسحب المبررات الأخلاقية لتحرك الدول الغربية التي تستهدف البلاد ، ولاشك في أن أي نجاح للسودان في هذا الجانب سيكون له انعكاساته الإيجابية على كافة الأصعدة ، وما لم يتم التوصل إلى إتفاق سلام في دارفور فإن التدخل الخارجي في شؤون البلاد سيزداد يوماً بعد يوم . هذا مع العلم بأن ذلك لن يوقف بالضرورة الإستهداف الخارجي للبلاد .
7. من خلال كثير من المعطيات تبدو الأزمة السودانية بشكلٍ عام مرشحة لإنفجار شديد قد يجعلها الأكثر تهديداً ليس على مستوى السودان فحسب وإنما على مستوى المنطقة ، خاصةً إذا لم يحدث تقدم في حل قضية دارفور. باعتبارها القضية الوحيدة بين الأزمات الماثلة التي سيكون موقف الإدارة الأمريكية الجديدة بشأنها أسوأ من إدارتي بوش ، الأمر الذي قد يجعل وزنها في مشهد العام 2009م أكبر من أي وقت مضى منذ نشوبها، ولا يتوقع حدوث تطور إيجابي في الموقف الأمريكي تجاه السودان، ويتوقع استخدام مسألة السودان والمحكمة الجنائية الدولية كورقة للضغط على الحكومة بغية الحصول على تنازلات متتالية منها في مجالات وموضوعات متعددة .
8. أمام الرفض الحكومي المطلق لقرار التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية تظل الخيارات مفتوحة أمام الحكومة السودانية تتبين منها ما يتماشى مع اسلوبها فى الفكر والسياسة والمصالح . ولابد من تبرير هذا الرفض قانونياً وسياسياً ودبلوماسياً لحشد التأييد الدولي للموقف السوداني مع الإعتماد في ذلك على المنابر الدولية ووسائل الإعلام الدولية ووكالات العلاقات العامة الدولية وذلك وفق خطة إعلامية محكمة لمحاصرة الأصوات التي تسعى إلى قولبة الحقائق وتزييفها في سياق تشكيل وتوجيه الرأي العام العالمي .
9. الرفض المطلق لقرار المحكمة غير مضمون العواقب إذ أن مجلس الأمن قد يقرر استخدام صلاحياته وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتى تصل إلى حد استخدام القوة العسكرية ضد دولة بدعوى أنها خارجة على القانون الدولي وتهدد السلم والأمن الدوليين . وفى هذه الحالة لابد أن يكون السودان قادراً على تحمل أعباء المجابهة وإعداد العدة اللازمة لكل الإحتمالات خاصةً السيئة منها ، وفي هذا لا يمكن الإعتماد بشكل مطلق على المواقف الداخلية لبعض القوى السياسية وبعض قطاعات المجتمع التي أبدت تأييداً للموقف الحكومي تمشياً مع الموجة العارمه لجماهير الشعب السوداني ، فالمسألة في حاجة إلى نفس طويل ، ورويداً رويداً سيقل الحماس وتجاهر تلك القوى السياسية خاصةً الحركة الشعبية بموقفها المضاد لموقف الحكومة لأن مواقفها منذ بداية الإدعاءات كانت متأرجحة . هذه المعطيات اردنا أن نشير إليها حتى يمكن أخذها في الإعتبار حتى لا يؤخذ الجميع على حين غرة ، لأن الجبهة الداخلية بالنظر لكثير من معطيات الواقع تبدو غير متماسكة وأن مايظهر الآن من تلاحم سيتبدد مع مرور الأيام خاصةً في حالة استقطاب على نحو مضاد للموقف الحكومي .
10. بعد الفترة القانونية المحددة ستخاطب المحكمة مجلس الأمن عبر تقرير يشير إلى رفض السودان التعاون مع المحكمة ، ومن ثم يبدأ المواجهة مع مجلس الأمن (أمريكا، فرنسا، بريطانيا) الذي سيسعى إلى فرض جملة من الضغوط على البلاد بدءاً من حظر سفر المسؤولين ثم العقوبات الإقتصادية وقد يطرح مقترح حظر الطيران السوداني في سماء دارفور ، أو حظر الطيران بشكلٍ عام . وقد يظهر في فترة لاحقة مقترح النفط مقابل الغذاء وصولاً إلى خيار التدخل العسكري المباشر وهو خيار مستبعد نسبةً لتداعيات التدخل المباشر من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق وأفغانستان، والصومال من قبل عبر برنامج (إعادة الأمل) في مطلع التسعينيات . وسيسعى مجلس الأمن إلى لعب دور حاسم فى تغيير هيكلة الحكومة السودانية القائمة من خلال الابتزاز والملاحقة والإستدراج ، وذلك نيابة عن الدول الكبرى التى سوغت مشروع القرار 1593 وإحالة القضية للمحكمة الجنائية الدولية .
11. في سياق التعامل الحكومي مع كل الخيارات والمساومات التي قد تطرح لابد من توخي الحذر الشديد في سبيل الوصول إلى تسوية أو صفقة مع القوى النافذة خاصةً الولايات المتحدة ذلك أن المسالة في أساسها سياسية وليست قانونية بالدرجة الأولى . ويتوقع أن تطرح القوى الكبرى بعض المطالب أو التنازلات في شكل صفقات لتسوية المسالة ، وقد يطلب من الحكومة إلغاء حكم الإعدام ، أو إعلان السودان دولة علمانية ، أو عدم ترشيح المشير عمر البشير في الإنتخابات المقبلة ، أو إقامة علاقات تعاون مع إسرائيل ، أو الطلب من الحكومة بالموافقة على أستضافة القيادة العسكرية الأميركية لإفريقيا (آفريكوم) وقد يطلب من الحكومة السماح لجهات خارجية بمراجعة المناهج التعليمية وتنقيحها ، أو أي مطلب آخر يمكن أن تطرح على الحكومة . ويتوقع أن تسير الصفقات في سياق إستدراج الحكومة وجرها غلى إتفاقات تؤدي إلى تكبيلها وشل قدرتها في مجابهة التحديات المحدقة بالبلاد .
12. طرد بعض المنظمات يعتبر من القرارات الصائبة ليس فقط لأنها تمارس أنشطة هدامة وتجاوزات لاحصر لها فقط ، وإنما يمكن استثمار طردها كورقة يمكن المساومة بها لتعطيل إجراءات المحكمة من خلال استصدار قرار من مجلس الأمن مقابل عودة تلك المنظمات ، وقطعاً لن تطرح الحكومة هذه المسألة نسبةً لعدم اعترافها بالمحكمة ولكن يمكن أن تطرح المسألة عبر الجامعة العربية أو الإتحاد الإفريقي ، ولاشك في أن تلك المنظمات والدول المالكة والداعمة لها ستسعى بكل الوسائل حتى تعود تلك المنظمات إلى دارفور مرةً أخرى . كذلك على الحكومة في هذه الفترة امتلاك المزيد من الأوراق حتى يمكن استثمارها في إدارة الأزمة مع القوى الدولية النافذة في مجلس الأمن.
13. قد يطرح في مرحلة لاحقة مقترح "النفط مقابل الغذاء" في سياق إحكام الحصار على السودان ، و"النفط مقابل الغذاء" مقولة بدأت كقرار من مجلس الأمن لفرض الحصار على العراق ، وانتهت بمأساة شعب لا يصدِّر النفط ولا يجد الغذاء! ففي عام 1995م بلغت مأساة الشعب العراقي جرّاء الحصار الاقتصادي المفروض تحت عنوان قرارات مجلس الأمن الدولي ذروة خطيرة أثارت احتجاجات المنظمات الإنسانية عالميًّا، فانعقدت اتفاقية "النفط مقابل الغذاء"، التي أصبح عنوانها بحدّ ذاته معبّرًا عن المأساة، بينما كانت - مضمونًا وتخطيطًا وتنفيذًا - تحقق لواشنطن ولندن وأنصارهما وأتباعهما عدة أهداف في وقت واحد. وقد طرح مقترح "النفط مقابل الغذاء" من قبل قاضي من جنوب إفريقيا كأسلوب ناجع في التعامل مع السودان ، ويهدف المقترح إلى فرض رقابة دولية - غربية واقعيًّا - على الحركة التجارية السودانية ، وهو ما يمكّن من التحكّم بتطوّر الوضع الاقتصادي السوداني عمومًا، وذلك من خلال الترخيص "الانتقائي" بتنفيذ طلبات تجارية سودانية مختارة وعدم الترخيص لأخرى.
14. من المتوقع أن تعمل الحركات المسلحة على توسيع مسرح العمليات العسكرية ، ويتوقع أن تحاول تلك الحركان نقل الحرب الى كردفان ومناطق أخرى ، وفي سياق تعويلها على القوى المعادية للبلاد سترفع تلك سقف مطالبها إلى درجة تعجيزية . لذلك لابد من تكثيف العمل الاستخباري لتوفير المعلومات والبيانات عن تحركاتها للمساعدة في توجيه ضربات استباقية تشل قدراتها في القيام بأي نشاط عسكري.
15. سيتأثر قطاع الإستثماء بقرار المحكمة وسيتأثر أكثر في حالة صدور عقوبات من قبل مجلس الأمن ضد السودان .
16. هناك توقعات بأن تشهد العلاقات مع دول الجوار توترات نسبةً لتعرضها لبعض الضغوط والمحفزات من قبل القوى الكبرى حتى تقوم ببعض الأدوار ، وقد تلجأ إدارة أوباما إلى سياسة إدارة كلنتون التي لجأت إلى دول الجوار بهدف المساهمة في إسقاط النظام مقابل مبالغ مالية تدفعها أمريكا لبعض دول الجوار .
17. من أكبر التحديات التي تواجهها الحكومة الإستمرار في برامج التنمية .
18. بصورة عامة ليس بمقدور السودان مواجهة مجلس الأمن ، كما أنه ليس في مقدور أي دولة أخرة مواجهته ، لذلك وعملاً بفن الممكن ينصب العمل لتلافي المواجهة ، لأن تلك المواجهة حال حدوثها ستلقي بتداعيات وخيمة قد تؤدى إلى انفضاض كل القوى السياسية من حول المؤتمر الوطني الذي لن يقوى بمفرده على مجابهة المواقف .
19. كل ما أشرنا إليه ملاحظات وتحلبلات وقرارات ليست دعوة لمنحى معين أو سياسة معينة أو موقف معين ، وإنما حاولنا أن ننقل لكم بعض يدور بخلد بعض الباحثين والمهتمين حيال الموضوع ، بحيث يمكن الإستفادة من بعضها في سياق التعامل مع قرار المحكمة في حق رئيس الجمهورية وتداعياتها الآنية والمستقبلية.
أهم التوصيات:
• لابد من السعي الجاد لإحداث لإختراق في عملية التسوية السياسية في دارفور ، مع العلم بأن هناك عوامل متداخلة تعوق محاولات التسوية تتمثل في تشرذم الحركات وتعنتها وعدم وضوح رؤيتها وإستمرار رفع سقف مطالبها، إضافةً إلى التدخلات الإقليمية والدولية حيث بات تأثير المكونات الداخلية في مشكلة دارفور ضعيفاً في مقابل العامل الخارجي الذي أصبح أكثر فاعليةً وتأثيراً ، الأمر الذي أدى إلى انتقال المشكلة من مرحلة إلى أخرى أكثر تعقيداً طوال السنوات الماضية.
• لا يمكن الإستهانة بدور كل من الصين وروسيا في دعم موقف السودان في المحافل الدولية ، ولكن لا يمكن الإعتماد عليهما بدرجة أساسية في الوقوف إلى جانب السودان في مواجهة القرار إلى درجة إستخدام حق النقض (الفيتو) ، ذلك أنهما سمحا منذ البداية بإحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية في العام 2005 عبر القرار 1593، فالصين تسعى من خلال تعاطيها الدولي لتأمين مصالحها بدرجة أساسية ، ومصالحها مع الولايات المتحدة أكبر من مصالحها في السودان . لذلك فإن درجة وقوفها تنبني على حسابات دقيقة لا مجال فيها للعواطف . ومع ذلك لا بد من التحرك الدبلوماسي النشط للحصول على دعمهما ، والمضي في إتجاه توقيع المزيد من الإتفاقيات مع الصين لضمان وقوفها إلى جانب السودان بقدر الإمكان خاصةً أن الصين تعتبر أكثر إدراكاً للأسباب والمنطلقات التي أدت إلى استهداف البلاد.
• هناك ضرورة لتقوية الروابط الإقتصادية مع دول الجوار مع أهمية إستكمال الربط البري مع دول الجوار لتلافي أي حظر قد يصدر سواء من مجلس الأمن أو من قبل بعض القوى المعادية بصورة إنفرادية إذا أخفقت في استصدار عقوبات دولية .
• العمل على تحقيق انسجام كامل داخل حكومة الوحدة الوطنية ذلك أن مواقف مكونات الحكومة كانت متباينة حيال التعامل مع إدعاءات أوكامبو خاصةً من قبل الحركة الشعبية مما يضعف الموقف الحكومي في مقبل الأيام .
• ضرورة الإستفادة من الملحمة الوطنية في مواجهة قرار المحكمة لدعم عملية الوفاق الوطني ، ذلك أن المسألة تحتاج إلى نفس طويل، وعلى الحكومة أن تستثمر هذه الملحمة إلى أقصى درجة ممكنة . وتفعيل وتحريك كل الآليات المتاحة سواء على الصعيد الاعلامى أو السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي فى وقت واحد وبشكل متوازى .
• يوصى بترشيد الصرف بغية الإحتياط لكل الإحتمالات .
• يوصى بضرورة الإحتفاظ بالتمثيل الدبلوماسي لكل الدول مهما كان الأمر لأنه يتيح ويفتح مجالاً للحوار على الرغم من استمرار حالة العداء .
• من الضروري أن يتم التعامل مع قرار التوقيف على مستويين وعدم الخاط بينهما في بعض الأحيان ، بحيث يكون المستوى الأول هو الجماهيري التعبوي الداخلي ، أما المستوى الثاني فهو مستوى التعامل بالعطيات القائمة مع البيئة العالمية والمجتمع الدولي . وفي هذا السياق لابد من الإستفادة من تجربة الانقاذ في بداياتها وطريقة تعاملها مع البيئة الإقليمية والدولية وتأثيراتها بغية الإستفادة منها.
• لابد من التحسب لسلوك الصين إزاء قبولها إحالة ملف دارفور للمحكمة الجنائية في 2005م بموجب القرار1593 ، وتعاطيها مع مختلف الأطراف بعد ذلك ، لمعرفة درجة وقوفها إلى جانب السودان في مواجهة القوى الأخرى .
• يوصى بضرورة الإنفتاح على دول أمريكا اللاتينية ، فمن الخطأ الإعتماد على دول بعينها. فدول أمريكا اللاتينية بحكم مواردها الضخمة المتمثلة في الموارد النفطية والمائية وغيرها ، والعداء المستحكم لدى سكانها حيال الولايات المتحدة والندية في تعاملها مع السياسة الأمريكية قادرة على التأثير على السياسة العالمية ، ولذلك فإن الحاجة ماسة إلى الإتجاه إليها وبناء علاقات مصلحية معها في المجالات المختلفة . كما أن معظم دول المنطقة ترى في إسرائيل امتداداً للإمبريالية الأمريكية، ولهذا فالكثير من الكتابات السياسية اللاتينية عندما تريد إنتقاد كولومبيا تصفها بـ(إسرائيل أمريكا اللاتينية) بحكم أن كولومبيا موالية بشكل كامل للولايات المتحدة.
• ولدعم الموقف السوداني على لاصعيد المستقبلي يوصى بضرورة أن تتجه البلاد نحو أمريكا اللاتينية على النحو الذي تم الإتجاه به شرقاً نحو ماليزيا خاصةً البرازيل وفنزويلا التي وقفت مع السودان في كل قضاياه ، وكذلك كوبا . وذلك كله في إطار البحث عن حلفاء كما هو متبع من قبل إيران .
• كذلك يوصى بضرورة تدعيم العلاقات مع البرازيل باعتبارها من الدول الواعدة مثلها مثل الأرجنتين والمكسيك ، وذلك للإستفادة منها في المجال الزراعي بنقل التقنيات الزراعية ، والإستفادة منها كذلك في مجال الوقود الحيوي . فهي تحتل المرتبة العاشرة في الإقتصاد العالمي حسب تصنيف المؤسسات الدولية ، ويتوقع أن تكون من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إذا تم الإتفاق على زيادة عدد الدول دائمة العضوية.
• يوصى بضرورة القيام بعمل دبلوماسي مكثف مع الأمين العام للأمم المتحدة وكل الدول في مجلس الأمن خاصةً الدول دائمة العضوية منها . كما لابد من أن تنشط سفارات السودان لدى تلك الدول وغيرها للحصول على المواقف الداعمة للسودان ، وهنا على الدبلوماسيين عدم التخطاب بلغة الجماهير . وعلى السفارات أن تقدم صورة حقيقية ودقيقة عن الواقع وأن تبعد عن تلوين الصور والمواقف إرضاءاً للنظام ، ويجب أن تكزن تقارير السفارات أمينة وناصحة حتى تتخذ الحكومة مواقفها وقراراتها على بيِّنات ومعلومات صحيحتين كما يوصى بعدم الإتجاه إلى معادات المسؤوليين والإساءة إليهم لأن ذلك المسلك لن يخدم قضية السودان في شيء
• يجب عدم التعجُل في الرد على أي مطلب يقدم من قبل القوى الكبرى خاصةً أمريكا أو فرنسا كصفقة يتم عبرها تعليق إجراءات المحكمة من قبل مجلس الأمن، ولابد من دراسة كل ما يقدم على الطاولة بعمق وتأني شديدين قبل اتخاذ أي موقف ، ذلك أن المواقف غير المدروسة تكلف الحكومة الكثير وتشل حركة الدبلوماسية ويجعلها في موقف الدفاع دوماً بدلاً من الموقف الهجومي.
• تكثيف العمل بإتجاه تحقيق الوفاق الوطني بغية حشد كل القوى السياسية على صعيد واحد لمواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه البلاد ، ولا بد من إبداء التنازلات من قبل الحكومة والحركة الشعبية تسهيلاً للوصول إلى النتائج المرجوَّة حيال الوفاق الوطني ، فالتراص الوطني الحالي في نظر كثير من المراقبين حالة مؤقتة سرعان ما تتبدد ما لم تتخذ سياسات وإجراءات جريئة لاستدامتها. ويتطلب ذلك أن تتحلى الحكومة (المؤتمر الوطني) بالمرونة الكافية، وأن تلتزم بإستحقاقات ذلك الهدف النبيل .
• الإسراع في إتجاه الحل السياسي لمشكلة دارفور وإبداء تنازلات مدروسة في هذا الشأن ، مع العلم بأن ذلك يتطلب إجراء تفاهمات مع بعض القوى النافذة المؤججة للصراع في دارفور وغيرها من المناطق ، ودفع القوى السياسية للمساهمة الإيجابية بغية إحداث التقارب المنشود بين أطراف النزاع في دارفور . مع العلم بأن قرار التوقيف سيؤدي حتماً إلى رفع السقف التفاوضي للحركات الدارفورية وصولاً إلى درجة غير مسبوقة ومن ثم الوصول إلى الطريق المسدود.
• العمل على تحسين صورة السودان في الخارج عبر الوسائل المتعددة من إعلام ودبلوماسية رسمية وشعبية ، ووكالات العلاقات العامة الدولية .
• الإهتمام بالإعلام الداخلي والخارجي بهدف إحاطة الرأي العام المحلي والعالمي بحقائق يما يجري من إستهداف للسودان ، وتفنيد الإتهامات التي تثار ضد السودان بين الحين والآخر . فالإعلام يعد من أهم ممسكات الوحدة الوطنية . وهنا لابد من إدراك عدم تأثير الخطاب الداخلي على الرأي العام العالمي .
• لابد من إدراك أن الخطاب التعبوي الداخلي يؤثر سلباً في بعض الأحيان على النشاط الدبلوماسي . ويوصى في هذا السياق ألاّ تتعرض لقاءات التعبئة الداخلية إلى بعض الملفات والقضايا ذات الحساسية العالية من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية ، فالسودان في حاجة إلى وقوف كل الدول إلى جانبه ، وإن فشل في ذلك فلا بأس من تحييد معظمها . وهذا يستوجب خطاب متوازن ودقيق حتى لا يساء فهمه ، ويستثمر في إتجاه توتر العلاقات .
• لابد أن يكون إفراغ وتصفية المعسكرات في دارفور هدفاً حكومياً في المرحلة المقبلة لأن وجود تلك المعسكرات مؤشر على بقاء الأزمة في مكانها ، وتعطي المنظمات الأجنبية المبرر لممارسة أنشطتها الخطرة . ويتطلب ذلك إهتماماً حكومياً بالمنظمات الوطنية من الجوانب المختلفة وامدادها بالموارد المادية والبشرية المدربة والمؤهلة لتقوم بالعمل المضاد لعمل المنظمات الأجنبية إنابةً عن الحكومة.
• ضرورة الإهتمام بالتوثيق لإستهداف المحكمة الجنائية الدولية السودان وإصدارها إتهامات لا تستند لبيِّنات قانونية ، مع التركيز على توثيق مواقف الدول إزاء الإدعاءات الأخيرة التي استهدفت رمز السيادة ، ويمكن أن يعهد ذلك التوثيق للمراكز البحثية أوجهات أخرى بعينها بحيث يكون التوثيق مقروء ومسموع ومرئي.
• لابد من الإنتقال من مربع التعامل بردود الأفعال إلى مربع صنع الأفعال والأحداث ، ذلك أن الجهد الوطني حيال العديد من القضايا الماثلة كان دوماً في موقع رد الفعل لا الفعل نفسه وهو موقف يجب مراجعته ، ذلك أن المواجهات في دارفور شكلت مدخلاً للإستقطاب والإستدراج حيث تم إستقطاب مكونات دارفور على نحوٍ معين لتقاتل بعضها بعضاً ، وسيق الجهد الوطني نحو استدراج مع عدم ثبات الأجندة ووضوحها ومن ثم أصبحت القضايا المحورية والموضوعية ثانوية ، وأصبحت القضية المحورية هي التعامل مع آثار المواجهات.
• على الرغم من ضعف فاعلية مواقف الدول العربية على الصعيد الدولي إلاَّ أنه لا بأس من التحرك الدبلوماسي حيالها للحصول على دعمها للمشاريع التي تخدم في نهايتها حلحلة بعض المشاكل الداخلية خاصةً دارفور ، كإنشاء القرى ومشاريع التنمية المتعددة بغية تصفية المعسكرات ومن ثم سحب الغطاء الأخلاقي للتكالب الدولي على البلاد.
• إستثمار كل المنابر المتاحة محلياً وإقليمياً ودولياً لممارسة الدفوع القانونية وتفنيد إدعاءات المحكمة على السيد رئيس الجمهورية ، والعمل على إثبات وتأكيد كفاءة القضاء الوطني على ملاحقة المتهمين ومحاكمة الجناة محاكمة عادلة وفق القانون الجنائي السوداني. والتركيز على أن إختصاص المحكمة الجنائية يخضع لنظام روما الأساسي الذي وقِّع في 1998م ودخل حيز النفاذ في 2002م ، ولا يستمد الإختصاص من أي نظام غير نظام روما الأساسي . وإلزام المحكمة بالعضوية نابعة من نصوص نظامها وولايتها هي ولاية رضا صراحةً وضمناً. فالمادة (12) من نظام روما تشير إلى شروط مسبقة في إختصاص المحكمة وهي أن تكون الدولة طرفاً ، أو أن تقبل وترضى الدولة صراحةً . والشرطان غير متوفران في حالة السودان .
• وفي سياق العمل على كسب الرأي العام لابد من التركيز في كل المنابر على أن الولايات المتحدة استطاعت فتح ثغرة في النظام الأساسي للمحكمة تتمثل في وجود حصانة للمواطنين الأمريكيين من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية وهي حصانة لا تتوافر لمواطني أية دولة أخرى .
• يوصى بضرورة قيادة حملة دبلوماسية لكسب أغلبية داخل مجلس الأمن ، وقيادة حملة إعلامية لتبيان حقيقة قضية دارفور للرأي العام العالمي وذلك وفق خطة محكمة .
• تشكيل سياسة هجومية ودفاعية من قبل القوات المسلحة والقوات الأخرى لشكل حركة الحركات والفصائل المسلحة التي تنشط في دارفور .
• هناك إجماع على البيئة ليست مهيأة للإنتخابات المرتقبة خلال هذا العام رغم أنها من التزامات إتفاقية السلام ، فالحركة الشعبية لم تقبل حتى الآن بنتائج التعداد كما أن عملية السلام في دارفور حتى الآن متعثرة ، وإجراء إنتخابات في هذه الوضعية قد تقود البلاد إلى معضلات ومشكلات أكثر تعقيداً في ظل الإستهداف الخارجي الماثل لذلك يوصى بأن توظف المرحلة المقبلة لتهيئة البيئة المحلية من كل جوانبها حتى تقوم إنتخابات تكتب لها النجاح والإستمرار.