نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية في منتداه السياسي الدوري بتاريخ 20 يناير 2010م ندوة بعنوان "الصومال: الواقع وسيناريوهات المستقبل " تحدث فيها الأستاذ محمد الأمين محمد الهادي – مدير مركز الشاهد للبحوث والدراسات والاعلام بلندن. والدكتور محمد شيخ علي – باحث بمركز الراصد. وشارك فيها جمع من المهتمين والباحثين وقد خرجت الندوة بعدد من الخلاصات تتمثل في الآتي :-
1. لا شك في أن أزمة الصومال لا يمكن ردها إلى عنصر واحد، فهي نتاج تداخل من العناصر، الدخيلة على المجتمع الصومالي والمتأصلة فيه، ومن بين أهم هذه العناصرالتركة الاستعمارية من ثقافة وفكر ومؤسسات وممارسات في مجالات السياسة والإدارة والاقتصاد والاجتماع، ويمكن إجمالها في:-
- تسييس القبيلة، حيث تعامل الاستعمار مع الصوماليين كمجموعات قبلية وليس كقومية واحدة، وعقد اتفاقات مع شيوخ القبائل في مناطقها، واعتبرها مجموعات سياسية مستقلة، مما أفضى إلى تسييس القبيلة الذي أفرز بدوره ما يمكن تسميته بالقبلية السياسية واعتمادها هوية سياسية بدلا من الوطنية والمواطنة الجامعة.
- تقسيم الأراضي الصومالية إلى خمسة أجزاء متمايزة، الصومال الإيطالي (في الجنوب) الصومال البريطاني (في الشمال) الصومال الفرنسي (شمال غرب) وأوغادين (المحتلة من قبل إثيوبيا) ومنطقة أنفدي (شمال شرق كينيا حاليا). وقد أفرز هذا الأمر تقاليد سياسية متضاربة، بحيث أضحى لكل منطقة من هذه المناطق إرث إداري وسياسي منحدر من التجربة الاستعمارية التي خضعت لها، فضلا عن زرع بذور الانقسام والصراع بين مختلف هذه المكونات الجغرافية الصومالية.
- التقسيم الاستعماري الموروث جعل أول مشروع لدولة الاستقلال السعي إلى تحرير الأراضي المحتلة مما أدخلها في حروب تحرير متوالية أنهكت ميزانيتها واستنزفت اقتصادها الضعيف أصلا بالإنفاق العسكري، وأعاقتها عن التنمية الحقيقية، وعزلتها عن محيطها الإقليمي والدولي.
- سياسة الإفقار وانعدام مشاريع للتنمية التي اتبعها الاستعمار أورث الدولة المستقلة حالة اقتصادية متأزمة، وجعلها تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الخارجية بسبب عدم وجود برنامج تنموي حقيقي ومدروس علميا يؤدي إلى استغلال الموارد الطبيعية المتوفرة لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
2. لذلك تعتبر المشكلة الصومالية من أعقد وأصعب المشكلات السياسية في القرن الإفريقي؛ حيث حولت المتابعين لها عن بعد في دهشة حيال ما يجري في الساحة الصومالية المضطربة أحياناًً، والهادئة أحياناً أخرى منذ سقوط نظام (محمد سياد بري) عام 1991م. وقد ساهمت العوامل الداخلية المتشابكة بدور كبير في إسقاط نظام (محمد سياد بري)؛ حيث اختلطت الأوراق السياسية والعسكرية والأمنية في الصومال ما بعد 1977م، إضافةً إلى العوامل الخارجية التي وفرت الوسائل الممكنة للمعارضة الصومالية ما قبل 1991م لإسقاط النظام القائم آنذاك.
3. إن المشكلة الصومالية ليست كما يتصوره بعض المحللين الذين يرون أن القضية لا تعدو كونها مجرد صراع قبلي فقط للسيطرة على الكلأ والمرعى والأراضي الصالحة للزراعة ومراكز القرار السياسي لتحقيق أغراض قبلية في المقام الأول، فالقضية الصومالية أكبر من كل ذلك، فهناك عوامل متداخلة ومتشابكة أدت في مجملها إلى هذه الحالة الفوضى العارمة، وتتمثل تلك العوامل في الاستعمار الأوروبي الذي قسم الأمة الصومالية إلى أجزاء في بداية القرن الماضي، إضافةً إلى ذلك السياسة الخاطئة التي انطلقت من عقلية الحزب الواحد الذي حكم الصومال في الفترة من(1969 - 1991م).
4. تزامن انهيار النظام الصومالي عام 1991م مع حدوث تغيرات جذرية في المنظومة السياسية الدولية ليس على العالم الإسلامي فحسب، بل حتى على العالم ككل؛ وذلك بإنهيار الاتحاد السوفيتي واختفائه عن الساحة الدولية، وبروز ما عُرِف ابلنظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي كرست هيمنتها على مختلف المجالات في سبيل الانفراد بقيادة العالم، وكان ذلك إيذاناً بدخول العالم مرحلة جديدة تم فيها تغيير الخريطة السياسية في النظام الدولي بصورة دراماتيكية ، فكان التدخل الأمريكي في العديد من دول العالم بدعاوى مختلفة. ونتيجة لهذه الأحداث المأساوية وغيرها احتلت (القضية الصومالية) ذيل قائمة جدول الأعمال في اجتماعات دول العالم الإسلامي؛ فأصبح الشغل الشاغل وحديث الساعة التركيز على الخلافات السياسية الداخلية، ومحاولة تعميق النزاع السياسي بين الدول العربية؛ فبدلاً من أن تهتم الدول العربية بالملف الصومالي، وتجعله في قائمة أولوياتها السياسية مثل القضايا الأخرى المعروفة أبرزت العواصم العربية نوعاً من الفتور الدبلوماسي، لأنها مفقودة الحركة الدينامية النشطة المصحوبة بالمسؤولية التاريخية تجاه الأمة الصومالية؛ هذا الإهمال الواضح أدى إلى أن تبتعد الدول العربية رويداً رويداً من مواقع القرار السياسي الإفريقي الذي استأثر ودون منافسة بالملف الصومالي وبمباركة من الدول العربية. وقد انحصر الدور العربي في مبادرات ثنائية وبجهود فردية لم تثمر الحد الأدنى المعروف في الأبجديات السياسية في قاموس رأب الصدع، وحلحلة القضايا الشائكة ذات الطابع الدولي .
5. فشلت الحكومات الصومالية المتعاقبة في معالجة المشكلات الناجمة عن مخلفات الاستعمار الثقافية والسياسية بسبب قلة الكوادر من ذوي الكفاءة العلمية والإدارية، حيث استغلت القبلية للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها، مما أفرز اعتماد القبلية بدل الكفاءة كمعيار لتقاسم السلطة وكرس القبلية كهوية سياسية تميز الأفراد والجماعات. وقد اعتمدت حكومة الانقلاب سنة 1969 على النظام الشيوعي والذي كان ضد تقاليد ودين وحضارة الشعب الصومالي، وتغذية ثقافة التمرد على الأخلاق، مع تهميش دور المثقفين والمفكرين وعلماء الدين ومحاربة التدين، وقد أصبح الاستبداد ومبدأ الحزب الواحد مميزاً لعهد سياد بري، إضافة إلى محاباته واعتماده على أبناء قبيلته ومحاربته القبائل الأخرى، مما حرض الآخرين على التنافس للوصول إلى السلطة كمصدر للنفوذ والثروة والتميز. كما أن المعارضة السياسية اعتمادت هي الأخرى على القبيلة، ولم تكن – في الغالب - تملك أي مشروع سياسي قومي واضح المعالم يمكن أن يشكل مخرجاً للشعب الصومالي من الدكتاتورية القبلية لحكومة سياد بري.
6. برز الاهتمام العربي والإسلامي حيال الأزمة الصومالية وتعاملها معها إلى السطح منذ بداية عام 1998م؛ حيث وصلت القضية الصومالية في مواقع اتخاذ القرار السياسي في الدول العربية؛ وذلك بعد إنهاء المقاطعات السياسية بين الدول العربية نتيجة غزو العراق على الكويت وتداعياتها المريرة، ولكن أحداث 11 سبتمبر خلطت الأوراق العربية من جديد، واختصر الدول العربية دورها في إصدار البيانات المقتضبة التي تدعو إلى وقف الصراع السياسي في الصومال ووضع حد للفوضى العارمة من التصادم المسلح.
7. لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً مزدوجاً حيال الأزمة الصومالية منذ شرارتها الأولى، ففي بدايات انهيار الحكومة المركزية في الصومال كانت عناصر مخابراتها تنسق مع المعارضة الصومالية المسلحة والدول المجاورة للصومال للتخلص من نظام (محمد سياد بري) بغية القضاء على جميع الأنظمة التي ارتبطت بعلاقات استراتيجية مع الاتحاد السوفييتي السابق في القرن الإفريقي، وبعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية في بداية عام 1991م حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تلتفت إلى القضية الصومالية بغية تأجيجها، وليس احتواؤها، وتحقيقاً لهذا الغرض الاستراتيجي لجأت الولايات المتحدة عبر الأمم المتحدة لإصدار قرار دولي يسمح لها أن تقود حملة عسكرية دولية تحت شعار (إعادة الأمل) في الصومال عام 1993م، وأعدت خطة سياسية وأمنية للساحة الصومالية، وبشرت الشعب الصومالي بإعادة الحكومة الصومالية والتخلص من الفوضى العارمة ، بيد أن الصورة صارت واضحة ومعكوسة عندما وقف الجنرال محمد فرح عيديد ضد الهيمنة والغطرسة الأمريكية، ونفذت قواته الخاصة عمليات نوعية استهدفت صفوف القوات الأمريكية، كما أبلت القوى الإسلامية الوطنية بلاءً حسناً أيضاً. وفي الوقت الذي كانت قيادة البنتاغون متحمسة إلى تنفيذ تلك المجازر البشعة وبصورة محكمة في مقديشو كان هناك اتصالاً وتنسيقاً بين الجنرال عيديد وبين المخابرات الإيطالية لإخفاق خطط الولايات المتحدة الأمريكية الموجهة إلى الصومال؛ ويتضح من كل ذلك التناقض الدولي وتضارب المصالح بين أمريكا وبين الاتحاد الأوروبي حيال الأزمة الصومالية، على الرغم من وجود قواسم مشتركة بين تلك القوى.
8. لقد أفسح الصرع على السلطة المجال واسعاً أمام إثيوبيا لتسليح وتمويل بعض القبائل لمواجهة بعضها بعضاً مما صعد الصراع واسترار حالة الفوضى، وقد كرّس التنافس على منطقة القرن الإفريقي التخلف والتبعية السياسية والاقتصادية وأرهق الصومال بالصراع مع المعارضة المسلحة. وتعاظم الدور الإثيوبي المدعوم غربياً مقابل تراجع الدور العربي الإسلامي بسبب انكفاء الدور المصري وبقية دول الجوار العربي، مما ساهم في عزل الصومال عن محيطه العربي الإسلامي وإخضاعه لإستراتيجيات دولية وإقليمية مضرة بالصومال واستقراره الداخلي.
9. في الآونة الأخيرة بدأت أمريكا تركز في تعاملها مع المشكلة الصومالية على الجانب الأمني فقط وذلك لحفظ مصالحها الاستراتيجية، خاصةً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتصدير أزمتها الداخلية الأمنية، ولتخلق طوقاً أمنياً في إفريقيا عبر المنطقة الاستراتيجية التي يحتلها الصومال، وغيرها من المناطق الحساسة ذات الأهمية القصوى للولايات المتحدة الأمريكية، وانطلاقاً من ذلك فإن أمريكا تتعاطى مع المسألة الصومالية ليس من حيث أنها تملك العصا السحرية لاحتوائها بإقامة حكومة عميلة لها، ولكنها تريد أن تصرف النظر عن اخفاقاتها في العراق وأفغانستان. والوجود الأمريكي الكثيف في الصومال يهدف إلى تأجيج الصراع السياسي والقبلي فيه. وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية لعرقلة مؤتمرات المصالحة الصومالية والذي بلغ أكثر من خمسة عشر مؤتمراً منذ انهيار الحكومة المركزية الصومالية عام 1991م وإلى الآن . وفي سبيل تحقيق أهدافها عملت الولايات المتحدة والقوى الدولية والإقليمية على:-
• طرد كثير من المنظمات والهيئات الإسلامية الخيرية .
• فتح مكاتب أمنية في الصومال لمراقبة العناصر الإسلامية والوطنية. والعمل على تصفيتها إذا لزم الأمر.
• التنسيق الأمني والمخابراتي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا وزعماء المقاطعات الصومالية لمحاربة ما يعرف بـ(الإرهاب الدولي).
• من أهداف مكتب المخابرات الأمريكية في الصومال هو إطالة أمد الصراع السياسي والقبلي فيه ؛ حيث تتدخل أمريكا وبصورة مكشوفة في المحادثات الجارية بين الفرقاء الصوماليين.
10. يمكن حصر الكيانات الصومالية التي تنشط حالياً وتتناحر فيما بينها في الكيانات التالية:-
1. الحكومة الانتقالية الحالية بقيادة شيخ شريف والتي أسست في فبراير 2009م، وفشلت في فرض سيطرتها على معظم الأراضي حتى داخل العاصمة نفسها، ذلك أنها تعاني من نقاط ضعف كثيرة تتمثل في انعدام الرؤية الواضحة فيما يتعلق بالتعاطي مع القوى الداخلية أو الدوائر الخارجية، فالرئيس ليس لديه خبرة سواء في الإدارة أو السياسة ومعظم من معه أقل منه خبرةً. وعجزت الحكومة في الحصول على دعم من الدول الغربية والعربية على السواء ، وقد علل الأوروبيون عدم وفائهم بوعودهم بعدم وجود إدارة شفافة تتحمل مسؤولية الأموال وتوظيفها. كذلك لم تتلقى الحكومة الدعم العسكري أو اللوجستي لمواجهة حركة شباب المجاهدين التي تُدعم بغير حساب. ويتم تسليحها عبر القوات الإفريقية التي تقوم بحراسة المواقع الحكومية فقط. وتعاني الحكومة الانتقالية أيضاً من عدم المقدرة على فهم أصول الديبلوماسية والعلاقات الدولية. فالحكومة لا تمتلك رؤية واضحة حيال مختلف الملفات الأمر الذي أدى إلى تفويت العديد من الفرص التي كان يمكن استثمارها لصالح القضية الصومالية.
2. الكيان الثاني هو حركة شباب المجاهدين، وهي الأقوى في الساحة الصومالية حالياً من حيث التنظيم والتسليح، ونجحت في تنفيذ الكثير من العمليات والاغتيالات ، واستطاعت أن تبسط سيطرتها عن طريق الرعب ونجحت في استقطاب أعداد كبيرة من الشباب الصومالي، وتسعى للحصول على عضوية تنظيم القاعدة من خلال تكثيف عملياتها النوعية في مناطق متفرقة في الصومال. واصبحت الحركة في تمدد مستمر حيث تمكنت من السيطرة على غالبية مناطق جنوب الصومال ، وتستفيد من سيطرتها على ميناء كيسمايو في تمويل أنشطتها. ولا تملك حركة الشباب خطاب متصالح مع الشعب ولا رؤية استراتيجية فيما يتعلق بكيفية إدارة الدولة. وهي مصنفة كحركة ارهابية وبالتالي حتى لو تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم فإنها ستواجه عزلاً ومحاصرةً من القوى الإقليمية والدولية. وهناك من يرى بأن الولايات المتحدة تدفع الحركة للخروج من المناطق الجبلية والانتشار في المناطق المكشوفة بحيث يمكن القضاء عليها في الوقت المطلوب.
3. الكيان الثالث يتمثل في الحزب الاسلامي وهو مشكل من تنظيمات متعددة ، ولا يمتلك برنامجاً أو تنظيماً هيكليّاً واضحاً، وقد أخذ في التلاشي بعد المعارك التي دارت بينه وحركة شباب المجاهدين، حيث تم تصفية معظم قياداته.
4. تنظيم أهل السنة والجماعة ويتلقى دعماً من إثيوبيا، وقد نشأ كرد فعل للمارسات حركة شباب المجاهدين صد الجماعات الصوفية في الصومال والاساءة إلى عاداتها وتقاليدها وأنماط سلوكها.
11. تعاني الكيانات الصومالية من الانقسامات المتكررة والمستمرة بسبب عدم الانسجام في الرؤى، إضافةً الى الدور الإثيوبي الذي يعمل على تغذية الخلافات بين تلك الكيانات، فالانقسامات ليست ايديولوجية وانما قبلية بدرجة أساسية نسبةً لغلبة البعد القبلي على الأبعاد والاعتبارات الدينية والوطنية.
12. يصعب التكهن بمستقبل الأحداث في الصومال نسبةً لكثرة المتغيرات المستقلة والتابعة والمتداخلة (الوسيطة) وتبدلها من حينٍ لآخر سواء ما تتصل بالقيادات أو القناعات أو الاتجاهات المحلية والاقليمية والدولية. ومع ذلك يمكن الاشارة إلى ثلاثة احتمالات نوجزها في الآتي:
1. أن تحكم الحكومة سيطرتها على كل الأراضي جنوب الصومال، وهذا الاحتمال غير وارد نسبةً لضعف الحكومة وعدم تلقي دعومات من الغرب حتى تستطيع أن تتغلب على حركة شباب المجاهدين.
2. الاحتمال الثاني أن تنجح حركة شباب المجاهدين في تمددها والصعود إلى سدة الحكم بعد تغلبها على الحكومة ، وانطلاقاً من النمو المتزايد للحركات الأصولية في الصومال فإنه من المحتمل أن تنجح حركة شباب المجاهدين في الإطاحة بالحكومة الانتقالية الضعيفة لو لم تتدخل القوات الإفريقية، أو اضعافها حتى تنتهي بنهاية فترتها الدستورية، وبالتالي فإن الحركة لن تستطيع الإطاحة بالحكومة ويمكنها إضعاف الحكومة،. فالحكومة وُجِدت لتبقى كحكومة محروسة بالقوات الإفريقية من غير سيادة أو إرادة، ويمكن دعمها عسكرياً ولوجستياً إذا أرادت القوى الداعمة أن تتغلب الحكومة على حركة الشباب، كما أن المنطقة مراقبة من الجو عبر الأسطول الأمريكي، وإذا تمددت حركة شباب المجاهديد في المناطق المكشوفة يمكن سحقها بسهولة من قِبَل القوات الأمريكية الموجودة في البحر وبعض المناطق داخل الصومال.
3. الاحتمال الثالث هو بقاء الحال على ما هو عليه مع امكانية دعم وتشجيع الحركات الانفصالية التي أخذت في البروز والمطالبة بإنشاء إدارات محلية قائمة على أسس قبلية، والتي ستتقاتل مع بعضها بسبب المشاكل الحدودية يبين سائر القبائل بحيث تستمر المواجهات حتى يتم انضاج الخطط الغربية المتعلقة بالساحة الصومالية على مهل، سواء بتجزئها إلى كيانات صغير وإلحاقها بدول الجوار أو أية مخططات أخرى يمكن العمل على انزالها على أرض الواقع الصومالي. فالقوى الغربية لن تساند الحركات الأصولية على المدى البعيد نظراً لأطماع تلك الحركات الدينية التي لا تستند إلى خطط وبرامج سياسي بعيد المدى.
4. كل القوى الدولية الفاعلة على الصعيد الدولي حاضرة بشكل أو آخر في الأزمة الصومالية خاصةً الولايات المتحدة التي تكثِّف من حضورها الاستخباري والعسكري سواء في البحر أو داخل الصومال عبر شركات خاصة كشركة الـ(بلاك ووتر) وغيرها بحيث تعمل تلك الشركات على تدريب بعض المقاتلين لاستخدامهم في تنفيذ الخطط الأمريكية في مقبل الأيام، وليس ذلك ببعيد عن ظاهرة القرصنة التي أخذت في التصاعد في الفترة الأخيرة بغية إيجاد مبررات لتدويل البحر الأحمر. وبصورة عامة فإن القوى الدولية تدفع الأمور في الصومال باتجاه المزيد من الاقتتال الداخلي وخلق كيانات قبلية صغيرة وهشة.
13. إن أي حل مقترح فيما يتعلق بالأزمة الصومالية لا بد وأن يأخذ في الحسبان الاعتبارات التالية:-
- عدم إمكانية نجاح أي حل للأزمة يبعد الصومال عن محيطه العربي والإسلامي، ولا يأخذ بعين الاعتبار خصوصياته الثقافية والحضارية.
- الاعتراف بعدم إمكانية قبول الشعب الصومالي لأي حل، لا يأخذ بعين الاعتبار وحدة أراضي الشعب الصومالي، أو يعطي دوراً أو امتيازاً للدول المجاورة، كما هناك اعتبارات المواءمة التي تقتضي الإقرار بضرورة مراعاة طبيعة المرحلة التي تمر بها الأزمة الصومالية، الأمر الذي يعني إعارة الانتباه لتوازنات القوة ومخاوف الفاعلين الإقليميين، ثم التمييز بين ما هو إستراتيجي وتكتيكي.
14. ولكي يكون الحل ناجعا ومثمرا يجب أن تتكامل الأبعاد الآتية:-
• ضرورة إشراك جميع القوى الفاعلة في الواقع الصومالي.
• البعد العربي الذي يجب أن يقوم بالوساطة أو يقدم تسهيلات تساعد على حل الأزمة، إذ إن جميع المؤتمرات السابقة فشلت لأسباب كثيرة من أهمها غياب الدور العربي الفعّال في مؤتمرات السلام وانعقاد غالبيتها في دول لها مصالح قومية وإستراتيجية مضادة لمصالح الشعب الصومالي. ولذلك ينبغي على الدول العربية والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن تغتنم الفرص التي تلوح بين الحين والآخر فتبادر بأخذ زمام الأمور لحل المسألة الصومالية.
• البعد الإقليمي والدولي وضرورة مراعاة مخاوف مطالب القوى الإقليمية والدولية في ما يتصل بطبيعة النظام الحاكم في الصومال.
15. هناك بعض الحلول المتصورة للأزمة الصومالية مرحلياً وعلى المدى البعيد وذلك كما يلي:-
• مرحلياً لابد من البدء بحل مشكلة منطقة جنوب الصومال أولاً، ونعني بها المنطقة التي كانت تحت الاحتلال الإيطالي، ومن بعد ذلك التفكير في حلحلة القضايا الأخرى.
• وقف أو سحب دعوة الحكومة لاستقدام القوات الأجنبية، ثم التنسيق بين الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي لمنع التدخل الأجنبي.
• إنشاء مجالس قومية مستقلة تضم شخصيات ذات نزاهة للتعامل مع المسائل التالية:
1. إعادة الحقوق والممتلكات لأصحابها.
2. إعادة صياغة الدستور بما يتوافق مع الهوية الثقافية والحضارية الصومالية.
3. مواصلة المصالحة الوطنية مع الإدارات الإقليمية التي تشكلت أثناء الحرب الأهلية، وهي إدارة إقليم شمال شرق الصومال التي سمت نفسها بونت لاند وتعتبر نفسها جزءا من الصومال، وإدارة إقليم شمال الصومال التي أعلنت استقلالها وسمت نفسها جمهورية أرض الصومال ولكنها لم تكتسب بعد أي اعتراف من الخارج.
4. التوظيف على أساس الكفاءة والنزاهة، لا المحاباة والقبلية.
5. العمل على التنمية الشاملة بمساعدة الأمم المتحدة والدول الصديقة والشقيقة.
16. فيما يتعلق بالحلول دائمة لابد من:-
• إعادة بناء الدولة الصومالية الموحدة بكل مؤسساتها ومقومات بقائها.
• حل مسألة الشمال (أرض الصومال) بشكل سلمي عن طريق التفاوض بما يحقق المصالح القومية والإستراتيجية للشعب الصومالي، والاتفاق على شكل نظام الحكم، مركزي أو فدرالي، وتحديد كيفية تطبيق أي شكل من هذه الأشكال على الواقع الصومالي.
• تحقيق السلام والمصالحة الوطنية، وذلك بإشراك جميع فئات الشعب الصومالي في عملية السلام وإخراج نظام الحكم في الصومال من إطار التوازنات القبلية، ثم اعتماد منهجية الكفاءة بدل القبلية.
• وضع معايير محددة وواضحة للتعامل مع المليشيات المسلحة، سواء من حيث إعادة تأهيلها وتدريبها، أو ضمها لأي فرع من فروع القوات الصومالية.
• وضع معايير محددة وواضحة للجيش والشرطة وقوات الأمن الصومالية، من حيث سن الانخراط والتقاعد وطرق إعادة تأهيل الجيش السابق.
• تقليل عدد الحقائب الوزارية بما يتناسب وحاجة المجتمع الصومالي، واختيار وزراء تكنوقراط أكفاء، لم يعرف عنهم نهب المال العام ولم يشاركوا في الحرب الأهلية.
• تقليل عدد نواب البرلمان ووضع شروط تؤدي إلى اختيار أعضاء يمثلون الخصوصية الثقافية والحضارية للصومال، بحيث لا يزيد عن 150 عضوا.
17. إن العالمين العربي والإسلامي مدعوان لتحمل مسؤولياتهما تجاه الصومال في هذا الظرف التاريخي، الذي أعادت فيه تطورات الأوضاع في الساحة الصومالية الكرة إلى الملعب العربي والإسلامي، حيث لابد من توفير الدعم المادي والتقني، والمساندة السياسية والإعلامية اللازمة لتحقيق المصالحة الصومالية-الصومالية التي تبقى حجر الزاوية والمفتاح الأساس لأي مساع استقرار دائم في الصومال.