نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية في
منتداه الدوري بتاريخ : الخميس الموافق 29 أبريل 2010م ندوة بعنوان تقييم التجربة الانتخابية وأثرها على مستقبل السودان تحدث فيها مهندس الفاتح خلف الله – وحدة التنفيذ السدود و البروفيسور الطيب زين العابدين – أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم وشارك فيها جمع من الباحثين والمهتمين. وقد خرجت الندوة بعدد من الخلاصات تتمثل في الآتي :
تعتبر الانتخابات التي جرت في البلاد غير مسبوقة لعدد من الاسباب ، منها انها لم تجري لفترة تقارب ربع القرن. وهي ليست فترة عادية وانما فترة تغيرت فيه المعطيات والثوابت. انهار الاتحاد السوفيتي وسيطرة القطبية الواحدة ، عمت آليات العولمة وسادت أفكار جديدة في السيادة وحقوق الإنسان والمعايير المحددة للحريات والنمو ، وصعدت فيه امم جديدة وتراجعت أخرى، وضربت فيه الازمات الاقتصادية قلب النظام الراسمالي وحدثت ثورة في الفكر والايديولوجيا والتكنولوجيا والمعلومات والاتصال. وفي هذه الفترة تغير السودان وجاءت الانتخابات في ظل واقع مليء بالمتغيرات المتداخلة محلياً وقومياً وإقليمياً ودولياً . وجاءت الحملة الانتخابية في ظل دستور جديد محكوم باتفاقيات للسلام تفرض اجراء استفتاء حول تقرير المصير لجنوب السودان ومنطقة ابيي ومشورة شعبية لجنوب النيل الازرق وجنوب كردفان. وجاءت هذه الفترة والسودان يعج بالصراعات ويمتلئ بالجيوش الاجنبية وتحيط به المخاطر من مختلف الاتجاهات.
1. هناك شبه اتفاق على أن قانون الانتخابات الحالي يعتبر من أفضل قوانين الانتخابات التي شهدتها البلاد في مسائل عديدة. ومن العناصر الجديدة في الانتخابات التي جرت التمييز الذي تم للمرأة وفي طبيعة القوائم النسبية وهو الامر الذي جعل الانتخابات متعددة النوافذ وادخل عليها عنصراً من التعقيد لم يكن معهوداً في الانتخابات السابقة. وقد أضفى دخول النوع والجنس توجهاً جديداً في المعارك الانتخابية حيث حظي بموقع خاص في الحملة الانتخابية هذا إضافةً إلى عوامل التجديد والتغيير. والتغيير الأكبر الذي كان متوقعاً تمثل في فوز أشخاص من خارج مواقع السلطة بنسبة تحدث اختراق في الواقع السوداني بمتغيراته المختلفة ، ويرى بعض المراقبين أن النتائج جاءت بعكس تلك التوقعات ويضيفون أن الانتخابات لم تأت بوجوه جديدة خاصة للبرلمان والولاة و المجالس الولائية مما يعني من وجهة نظر بعض المحللين عدم القدرة على إحداث أثر نوعي نحو تحقيق اهداف الانتخابات واحداث اختراق مهم في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي يمكن أن يقود إلى تطور الممارسة السياسية في البلاد.
2. على الرغم من أن العملية الانتخابية التي جرت كانت معقدة إلاّ أن عدد الأصوات التالفة لم يكن كبيراً إلاّ في ولايات محددة. كذلك تعتبر الانتخابات التي جرت أول انتخابات تديرها مفوضية مستقلة منتخبة من البرلمان على الرغم من أن إدراتها لم تكن جيدة للعملية ، فتعقيد الانتخابات لا علاقة لها بالمفوضية وإنما تتعلق بدرجة أساسية بالناخب. وقد انحصرت إشكالية المفوضية القومية للانتخابات في عدم كفاءة الجهاز الاداري الذي يعمل تحت إدارة المفوضية نسبةً لقلة العملية التدريبية ، وعدم الدقة في اختيار الكوادر الأخرى العاملة بمراكز الاقتراع ، وكان يمكن للمفوضية أن تنسق مع الجامعات لنجاز العديد من المهام.
3. حظيت الانتخابات السودانية 2010م بإهتمام دولي متعاظم من قبل وسائل الاعلام الداخلي الخارجي التي عملت بقوة في تغطيتها، ولعل أهم ما يميز التغطية انها شملت كافة أجهزة الاعلام العربية والاجنبية الكبرى مثل الـ BBC و CNN والجزيرة والعربية ، وكذلك الصحف المحلية والعالمية، مما يشير الى الاهتمام الواضح بالشأن السوداني وبكل المجريات، وشملت الآراء الاعلامية التي طرحت قبل واثناء وبعد العملية الانتخابية مواقف ايجابية وسلبية، وقد ركز الاعلام الخارجي (المقروء والمسموع والمرئي) على الأمن وإجراء الانتخابات في جو سلمي نظراً للتوقعات التي كانت ترى أن العملية قد لاتخلو من أعمال عنف مصاحبة.
4. ذهب كثير من المراقبين في تحليلاتهم إلى أن الهدف الانتخابات هو إعطاء شرعية لقرارات تقرير المصير المرتقبة، على إعتبار أن هذه الانتخابات ستفرز أجهزة شرعية يحق لها البت في أمر الانفصال أو الوحدة، وقد أبانت الولايات المتحدة أن دعمها واعتمادها لنتائج العملية الانتخابية جاءت من حرصها على تنفيذ إتفاقية السلام وصولاً إلى عملية الاستفتاء حيث من المتوقع أن تكون نتائجها لصالح الانفصال.
5. حجم الأصوات التي نالها مرشحو رئاسة الجمهورية في الانتخابات تستحق قراءة تحليلية لأنها تحفل بكثير من المعاني السياسية التي تستحق التأمل، فقد حصل الرئيس عمر حسن البشير مرشح المؤتمر الوطني على نسبة 68.24% من جملة المصوتين لرئاسة الجمهورية وعددهم (10.114.310) كان نصيبه منها (6.901.694 صوتاً)، يليه مرشح الحركة الشعبية المنسحب ياسر عرمان رغم قرار سحبه من قبل قيادة الحركة ، حيث نال نسبة غير متوقعة بلغت 21.69% (2.193.826 صوتاً). وجاء الثالث في الترتيب عبد الله دينق نيال مرشح المؤتمر الشعبي الذي نظم حملة متواضعة قدر موارده ولكنها على وتيرة مستقرة ومستمرة دون انقطاع حتى موعد التصويت نال نسبة 3.92% (396139 صوتاً) ولقد وجد عبد الله أصواتاً مقدرة من ولاية جنوب دارفور (96 ألف) والخرطوم (44 ألف، ويليه حاتم السر مرشح الاتحادي الديمقراطي الأصل الذي قاد حملة انتخابية مترددة توقفت في نصف الطريق بحجة الانسحاب ثم عاودت الكرة قرب نهاية السباق فنال صاحبها نسبة 1.93% أي (195.668) صوتاً معظمها من الخرطوم ونهر النيل وكسلا وسنار وغرب دارفور وشمال كردفان.
6. بالنظر لنتائج الانتخابات العامة التنفيذية والتشريعية نجد تراجعاً كبيراً في شعبية الأحزاب المعارضة عما كانت عليه قبل عقدين من الزمان الأمر الذي لا تعترف به الأحزاب وإن كانت تقر به ضمناً، فمعظم الأحزاب المعارضة وقعت في سوء التقدير لمدها الشعبي وتصورت إمكانية إزالة حكومة الإنقاذ بمجرد الحصول على فرص متكافئة في الإعلام أو التمتع بالدعم والتمويل الحزبي وتناست تجذر الإنقاذ في مفاصل الدولة على مدى العشرين سنة الماضية لدرجة يصعب معها الفصل بين فعاليات الحكم والنشاط الحزبي، ولم تتعامل تلك الأحزاب مع الانتخابات بالجدية المطلوبة في مراحلها المختلفة بدءاً بعملية تسجيل الناخبين.
7. أكد تكتل تحالف جوبا المعارض ضد المؤتمر الوطني تراجع شعبية الأحزاب المعارضة وعدم استعدادها لخوض الانتخابات العامة إلا في ظل تكتل ينقصه التوافق والتنظيم الدقيق المحكم ،إذ فشل تحالف جوبا في التوافق على مرشحين للدوائر الجغرافية والقوائم النسبية للمرأة والأحزاب إلا قليلا مثلما فشلوا في الاتفاق على مرشح واحد لرئاسة الجمهورية وبدا عدم التناغم واضحاً في الوصول إلى قرار موحد بمقاطعة الانتخابات من خلال الارتباك الذي ساد قبيل بدء الاقتراع . ولم تكن للمعارضة برنامج موحد للحكم خاصة وأن تصريحات قادة الأحزاب اتسمت بالتناقض والارتباك ، فتارةً يدعون للمشاركة في الانتخابات وتارة أخرى يدعون للمقاطعة. ولا شك أن تقلبات الساسة المعهودة جعلت من الصعب تلمس موقف ثابت للمعارضة.
8. قدمت الحملة الانتخابية للعالم صورة إيجابية للسودان إلى حد مقدر ، خلاف صورته التي شوهتها الحروب والصراع على السلطة والثروة. وأتاحت الحملة ايضاً فرصاً لدراسة توجهات الرأي العام ، الأمر الذي يمكن من تلمس والتقاط نقاط القوة والضعف في البلاد بشكل أوضح ورؤية أدق حول السياسات الخارجية والداخلية المرتقبة والبناء علي ذلك في وضع الرؤية المناسبة للتعامل مع مختلف دول العالم.
9. ومما لا شك فيه أن العملية الانتخابية أحدثت نقلة مذهلة في الواقع السوداني وشكلت في مخرجاتها النهائية فرصة تاريخية نادرة يجب استثمارها بالشكل الافضل لمواجهة التحديات الماثلة والمتوقعة بدءاً بتسوية المسائل العالقة بين الشريكين فيما يتعلق بالاستفتاء والاعداد المحكم لكلا الخيارين (الوحدة أو الانفصال).
10. من جانبٍ آخر ادت نتائج الانتخابات الى زيادة المخاوف على مستقبل وحدة السودان وذلك بعد حصول السيد الرئيس عمر حسن البشير على نسبة ضئيلة من اصوات الجنوبيين قدرت بحوالي 10 في المائة من اجمالي عدد المصوتين. مما يعني أن ترجيح خيار الانفصال إذا وقفت النسبة الكبيرة التي صوتت لصالح عرمان في الانتخابات مع خيار الانفصال. وقد أظهرت نتيجة التصويت في الانتخابات الرئاسية أن الناخبين في الجنوب ملتفون بقوة حول الحركة الشعبية الامر الذي يعني أن إرادة الحركة في شأن الاستفتاء هي الغالبة.
11. من المسائل التي لا تبدو مقنعة للمراقبين انتخاب السيد مالك عقار نائب رئيس الحركة الشعبية والياً على النيل الأزرق بأصوات بلغت 108.119 في حين حصد منافسه فرح إبراهيم العقار مرشح المؤتمر الوطني 99.419 صوتاً. وقد تساءل البعض: هل هذه الأصوات حقيقية أم أن صفقة ما تحت الطاولة تمت بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية تفادياً لأزمة قد تصل إلى حد الاشتباك المسلح؟ لقد حصل مرشح المؤتمر الوطني للرئاسة في ولاية النيل الأزرق على 142.260 من الأصوات وهي تزيد عن الأصوات التي نالها مالك عقار بـ 34 ألف صوت ، وبالتالي لم يكن متوقعاً أن يصوت كل هؤلاء لمرشح الوطني في رئاسة الجمهورية ولا يصوتون بنفس القدر لمرشحه لرئيس حكومة الولاية. وقد وجد الرئيس البشير أصواتاً أكثر من مرشح الوطني لمنصب الوالي في كل الولايات الشمالية بفارق يتفاوت من ولاية لأخرى، ولكن ولاية النيل الأزرق تعيش حالة من الاستقطاب السياسي الحاد ولم يكن متوقعاً في مثل هذه الحالة أن تختلط عشرات الآلاف من أصوات المؤتمر الوطني للولاية لتذهب لمرشح الحركة الشعبية مهما كانت قوة شخصية الأخير. ولو ترك جانباً المقارنة بين أصوات مرشح الرئاسة للوطني ومرشح الحركة للولاية نسبة لخصوصية وشعبية البشير فإن المقارنة على المستويات الأخرى لا تسند الفارق بين أصوات مرشح المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لمنصب الوالي. فقد فاز المؤتمر الوطني في ولاية النيل الأزرق بثلاث مقاعد للمجلس الوطني كان مجموع أصواتهم حوالي 80 ألف صوت وفازت الحركة الشعبية بمقعدين فقط كانت أصواتهما حوالي 61 ألف صوت، ونالت قائمة المؤتمر الوطني للمرأة على 111 ألف صوت في حين نالت قائمة الحركة الشعبية على 92 ألف، وحصدت قائمة المؤتمر الوطني الحزبية على 108 ألف صوت بينما لقيت قائمة الحركة الشعبية الحزبية 90 ألف صوت. وهذا يعني أن هناك فارق حوالي عشرين ألف صوت بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية على كل المستويات، ولذلك تساءل بعض المراقبين عن الجهة التي ذهبت إليها تلك الأصوات في انتخابات الوالي؟ ولم يقتنع البعض بأن يتفوق المؤتمر الوطني على الحركة الشعبية على مستوى رئاسة الجمهورية والدوائر الجغرافية القومية وقائمة المرأة والقائمة الحزبية ولا ينعكس ذلك في انتخاب الوالي رغم أهميته البالغة بالنسبة للمؤتمر الوطني ولتأثيره على موضوع شديد الحساسية هو المشورة الشعبية التي تتم عبر المجلس التشريعي لترسم طبيعة العلاقة المستقبلية بين الولاية والخرطوم .