(في ضوء خطابي أوباما ونتنياهو)
تعتبر التصريحات التي تصدر عن أحد رموز دولة ما في كثير من الأحيان بمثابة عنوان واضح لسياسات تلك الدولة في حاضرها وفي مستقبلها. ولعل أشهر المواقف في تاريخ العالم السياسي ارتبطت بخطاب أو بإعلان من أحد الزعماء السياسيين لدولة ما، لذا فإن الأمر البدهي لدى غالبية الدول ذات النمط المؤسسي أن الخطاب الرئاسي ليس جهداً ارتجالياً للرئيس بل يمر بسلسلة من التدقيق والتمحيص بحيث تأتي كلمات الخطاب معبرة بدقة عن الرسالة التي يراد بها أن تصل من وراء الخطاب. من هذا المنطلق نجد أن تحليل خطاب أو تصريح لرئيس أو لشخصية سياسية مدعاة للتعرف على الخطوط العامة لسياسة الدولة التي يمثلها دون أن نستبعد من أذهاننا الظرف الزماني والمكاني والبيئة السياسية المحيطة بذلك التصريح أو الخطاب. وقد يكون الأمر أكثر جدية حين يكون الخطاب صادراً عن زعيم أكبر دولة يندر أن تغيب بأدواتها المتعددة والفاعلة عن أي قضية في أرجاء هذا العالم، وتعتبر الفاعل الرئيس في قضايا العالم العربي المتعددة وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تعد الواجهة الأكبر للصراع مع الكيان الصهيوني.
وايماناً بأهمية تلك الخُطب والخطابات وللوقوف على دلالاتها نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية في يوم الثلاثاء 7 يونيو الجاري ندوة بعنوان "اتجاهات السياسة الأمريكية حيال الشرق الأوسط " تحدث فيها كل من الدكتور الفاتح عثمان محجوب والاستاذ عايش علي عودة والأستاذة إجلال عبداللطيف، وشارك فيها جمع من الباحثين والمهتمين. وبعد نقاش ثر ومستفيض خرجت الندوة بالعديد من الخلاصات التي تتمثل في:-
فيما يخص السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط يذهب الكثيرون إلى أنه يمكن ردها إلى المرجعيات التي تشكل الايدولوجيا السياسية للولايات المتحدة الأمريكية شأنها في ذلك شأن الدول الأخرى، وهي في هذا المقام مرجعيات أخلاقية، ومرجعيات مصلحية، ومرجعيات دينية، ولعل هذا التوصيف يتضح بجلاء في التعاطي الأمريكي مع ملفات القضية الفلسطينية.
المرجعية الأخلاقية: الأيدولوجيا الأمريكية تعرف أنموذج خاص بها للمنظومة الأخلاقية والقيمية يقوم على أساس إعطاء معنى خاص أحادي قابل للتطويع وفقاً للرؤية الأمريكية، فالرئيس الأمريكي ويلسون هو أول من نادى بـ "حق الشعوب في تقرير المصير و التمتع بقيم الحرية والسلام"، بل " يذهب في أحد تصريحاته إلى القول أن على أمريكا التدخل في شؤون الدول الأجنبية لتصحيح قصورها الأخلاقي"، كذلك الحال بمفردات "محاربة الإرهاب""الرجعية""الدول المارقة""محور الشر""العالم الحر""الالتزام القيمي" وهذا الأخير مصطلح دائم الحضور في الخطابات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، غير أن تطبيق هذه القيم له تفسير خاص لدى الولايات المتحدة الأمريكية، فهي قيم استعلائية في المقام الأول يتعين على الولايات المتحدة فرضها على الآخرين ولو بالقوة، كما في اجتياح هايتي في عهد ذلك الرئيس، ثم المكسيك، ثم حصار كوبا، ثم نيكارجوا، و حديثاً العراق أفغانستان، وأخيراً تطبيق سياسة التجويع والحصار ضد الشعب الفلسطيني في غزة فقط لكونه مارس حقه الديمقراطي بحرية تامة وأتى بحماس للسلطة، مما جعل من الولايات المتحدة الأمريكية أول من ينقلب على الخيار الديمقراطي............إلخ.
المرجعية المصلحية: من المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأكبر رأسمالياً، فالاقتصاد يشكل دعامة ومرتكز أساسي في تشكيل الايدولوجيا السياسية لنظام الحكم فيها والسياسة الخارجية ليست بمعزل عن ذلك، فهذه الدولة دوماً بحاجة لمزيد من الموارد الخام ولمزيد من الأسواق بهدف الحفاظ على تفوق اقتصادها عالمياً وهي في سبيل ذلك تسخر كل وسائل الدعاية والإعلام لحجب وسائلها المشينة التي تلجأ إليها في كثير من الأحيان لتعزيز اقتصادياتها.
ويعزز ذلك ما صرحت به كل من مادلين أولبرايت ووليام كوهين في عهد كلنتون بالقول"إن الولايات المتحدة ملتزمة بالاستخدام الفردي للقوة العسكرية كي تدافع عن مصالح حيوية تشمل ضمان دخول غير ممانع إلى أسواق رئيسية و مصادر طاقة و مصادر استراتيجية وبالفعل أي شيء يمكن أن تقرر واشنطن أنه يقع داخل سلطانها القضائي"، وهذا يستتبع توفر عدة معطيات لبقاء التفوق الأمريكي على الصعيد العالمي، أن يضمن استمرار تدفق الموارد والطاقة وبأقل الأسعار، استمرار النهج الاستهلاكي، بقاء العالم مفتوحاً جغرافيا للتحرك الأمريكي،و إزاحة أي قوى منافسة أخرى.
المرجعية الدينية: ويمكن رد المرجعية الدينية في الخطاب السياسي الأمريكي إلى الأصولية المسيحية البروتستانتية التي تشكل أكبر حيز في الخريطة الدينية الأمريكية وأكثرها تجذراً في الأنموذج الأمريكي فمنذ البداية كان الفكر السياسي الأمريكي ديني التوجه بامتياز ولعل أكثر تجليات هذا البعد هو التعصب المسيحي الذي ساد في زمن الرئيس كارتر ومن ثم ريجان حيث كانا يستدعيان النبوءات التوراتية، ثم جاء تحول أخر في عهد الرئيس بوش الذي أظهر عداءً غير مسبوق ضد المسلمين والعرب خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث بدأت تظهر في الخطابات الرئاسية مفردات فجة مثل "حرب صليبية"، كل ذلك كان يتم في ظل توسع نشاط المسيحية الصهيونية في المجتمع الأمريكي حيث تم الوصول به إلى الاقتناع التام بأن دعم الكيان الصهيوني هو التزام ديني مسيحي مقدس ويرتبط بنبوءات ظهور المسيح، وبذلك تحولت السياسة الأمريكية إلى دعم مطلق للكيان الصهيوني على أساس عقائدي بحيث أضحت الإدارة الأمريكية ملتزمة دينياً أمام الشعب الأمريكي بالوقوف إلى جانب الكيان الصهيوني في كل الظروف.
تتمثل أهم النقاط التي حواها خطاب أوباما بخصوص الشرق الأوسط في 19-5-2011في الآتي:-
1) التأكيد على أن مصير أمريكا يتعلق بالشرق الأوسط من خلال ارتباطه بقوى الاقتصاد والأمن والعقيدة والتاريخ المشترك، وهذا يقودنا إلى ما ذكر سابقاً.
2) إعلان انتصار أمريكا على رأس قوى الإرهاب وهو إشارة إلى مقتل زعيم القاعدة مؤخراً، وأشار إلى تغير العقلية العربية من خلال عدم اقتناعها بجدوى العنف المتمثل في الإرهاب واتجاهها إلى المطالبة بحقوقها عبر الطرق السلمية. وهذا يدلل بطرف خفي إلى أن العالم العربي كمجتمع كان ولا زال يعتبر في العقلية الأمريكية هو المسئول عن الإرهاب الذي لحق بالولايات المتحدة الأمريكية.
3) الاشارة إلى أن قادة المنطقة اتبعوا استراتيجيات تحويل الانتباه باعتبار أن الغرب وإسرائيل هم سبب المشاكل داخل الدول. وهو بذلك يبدد التوجه الذي ساد عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر كإجابة للتساؤل الذي طرح حينها لماذا يكرهوننا؟ فذهبت بعض التفسيرات إلى أن استمرار معاناة الشعب الفلسطيني جراء الظلم الصهيوني ووقوف الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانبه هو أحد أهم أسباب كراهية المسلمين والعرب للأمريكان.
4) التأكيد على التزام أمريكا بحماية ودعم الأصدقاء والشركاء. ومنظومة الأصدقاء والشركاء في المنطقة معلومة لدى الجميع، وهي الدول "المعتدلة" أو الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية وفي ذلك فهو يرسل إشارات لكل من البحرين واليمن ودول الخليج العربي والكيان الصهيوني.
5) إعادة التأكيد على مجموعة أسس للتفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين والتي تتمثل في الاعتراف بشرعية إسرائيل، وعدم السعي إلى انتزاع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهذا بمثابة تماهي بالمطلق مع الرغبات الصهيونية والتي تطالب بذلك وتسعى للحيلولة دون الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر القادم.
6) مطالبة حماس بعدم انتهاج سياسة الإرهاب ( المقاومة ) والرفض، لتحقيق السلام والرخاء، وأنه لن يكون لها أي دور سياسي طالما لم تلتزم بشروط الرباعية وفي مقدمتها الاعتراف بإسرائيل.
7) التأكيد على الصداقة المتأصلة والعميقة من حيث التاريخ والقيم والمشتركة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية والوقوف ضد محاولات التفرد بها لانتقادها في المنتديات الدولية، حيث يعتبر هذا هو الثابت في السياسة الأمريكية وهو مناصرة الكيان الصهيوني في كل المحافل الدولية.
8) طرح حل الدولتين باعتبار أن السلام الدائم وفق الرؤية الأمريكية{المتماهية مع الصهيونية} يشمل دولتين لشعبين، وأن إسرائيل دولة يهودية ووطن للشعب اليهودي: هذا الحل الشرط أصبح سياسة أمريكية رسمية في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبوضوح لم يسبق أن عبّر بمثله أي رئيس أمريكي سابقاً، فلقد تضمنت برقيته الأخيرة لكل من نتانياهو وبيريز التي أرسلت بمناسبة ما يسمّى عيد الاستقلال هذا المعنى والالتزام، فقد جاء فيها "إن فلسطين التاريخية هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي"، وهذا يعني في ما يعنيه، إلغاء الحقوق الأساسية للعرب الفلسطينيين الذين بقوا بعد العام 1948، أو الذين سيبقون تحت دولة الكيان الصهيوني، ومن ثم تعريضهم للتهجير باعتبارهم يقيمون في دولة هي للشعب اليهودي،ومن ثم إسقاط حق العودة وكل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني كما للعرب والمسلمين في فلسطين و إسقاط حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصير فلسطين وفقاً لأحكام القانون الدولي،بل هو إسقاط للاغتصاب الصهيوني الذي فرضه الانتداب البريطاني وما ارتكب من جرائم إبادة وتهجير للفلسطينيين في العام 1948 وقبله وبعده، وذلك بتحويل ذلك الاغتصاب إلى حق للشعب اليهودي المزعوم، وبذا يكون كل ما قدمهُ الفلسطينيون والعرب من تضحيات في مقاومة المشروع الصهيوني عبثاً حين يُنزع منهم الحق في فلسطين وتُنزع منه عدالة القضية الفلسطينية،بل قد يأتي يوم ويطالبون فيه بالاعتذار للكيان الصهيوني عن ذلك"العبث" لأنه أساء لأخلاق الشعب اليهودي. دولة فلسطين كوطن للشعب الفلسطيني وتتمتع كل دولة منهما بتقرير المصير والاعتراف المتبادل والسلام.
9) قيام المفاوضات على أساس دولة فلسطينة قابلة للحياة، وإسرائيل آمنة وقيام دولتين بحدود فلسطينية دائمة مع إسرائيل والأردن ومصر وحدود إسرائيلية دائمة مع فلسطين، على أساس خطوط العام 1967 مع تبادل متفق عليه في الأراضي بحيث يتم إنشاء حدود آمنة معترف بها للدولتين. وهذا ما يقدم استجابة للشروط الإسرائيلية التي تنادي بعدم العودة لحدود الرابع من حزيران لأن تلك الحدود لا يمكن معها أن تكون دولة إسرائيل أمنة، لذا يتم تبادل الأراضي بين الدولتين وفقاً لما يضمن أن تخدم الجغرافيا الأمن الإسرائيلي لا أمن الدولة الفلسطينية الموعودة، ويكون لكل من الدولتين الحق في الدفاع عن نفسها وينبغي لإسرائيل أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها – بنفسها – ضد أي تهديد، على أن تكون الشروط قوية إلى حد كاف للحيلولة دون عودة الإرهاب ووقف تسرب الأسلحة وتوفير أمن فعال للحدود، وانسحاب القوات العسكرية الإسرائيلية التام يجب أن ينسق مع تولي الفلسطينيين مسؤولية أمنهم في دولة ذات سيادة غير عسكرية، ويجب الاتفاق على مدة الفترة الانتقالية كما يجب إظهار البرهان على فاعلية الترتيبات الأمنية، كل ذلك يمثل استجابة للمخاوف الإسرائيلية مع كل ما تملكه من ترسانة ضخمة في مواجهة طرف لا يقارن بها من حيث القدرات العسكرية، وفي ذات الوقت عدم ذكر أي مخاوف فلسطينية بخصوص مستقبلهم السياسي في دولتهم المنشودة.
10) تأجيل قضية مستقبل القدس ومصير اللاجئين الفلسطينيين، وهي استجابة للمطلب الإسرائيلي الذي قبله الفريق المفاوض الفلسطيني في أوسلو ولم يحصد نتيجة له إلا مزيداً من تهويد القدس وإعطاء الاحتلال الوقت الكافي لخلق وقائع جديدة فيها لصالح الدولة العبرية يصعب تجاوزها في أي مفاوضات مستقبلية حول المدينة، وتذويب قضية اللاجئين مع مرور الزمن بمشاريع متعددة.
أما خطاب أوباما أمام الإيباك: 22/5/2011 فقد كان موجهاً بالأساس للشعب اليهودي في المقام الأول،ثم للأطراف المعنية بالكيان الصهيوني ثانياً،ومجمل ما جاء فيه كان على النحو التالي:-
1. أشاد بالشباب الذين يستلهمون طاقتهم لصياغة المستقبل، والتأكيد على اغتنام الفرص (التغيرات) وتوظيفها لأجل أمن إسرائيل وأمن المنطقة، حيث اعتبر إسرائيل أحد مكونات المنطقة الطبيعية على الرغم من الحجم الكبير للقضايا العالقة بينها وبين دول المنطقة.
2. التأكيد على الروابط والصلات الأزلية بين إسرائيل وأمريكا،بما فيه التأكيد على الالتزام بأمن إسرائيل كدولة قوية وآمنها يخدم مصالح أمريكا القومية ويشترك معها في المصالح الاستراتيجية والتأكيد من التحديات المشتركة والتي تتمثل في مكافحة الإرهاب، والانتشار النووي.
3. التأكيد على القيم المشتركة، بين البلدين باعتبارهما من دول العالم الحر التي تنتهج قيم إنسانية رفيعة.
4. زيادة التعاون بين المؤسستين العسكريتين إلى مستويات عالية وتسخير أخر مستجدات التكنولوجيا وإتاحتها للإسرائيليين مثل مشروع القبة الحديدية المضادة للصواريخ، ومنظومة صواريخ باتريوت، بما يضمن تفوق إسرائيل العسكري كماً ونوعاً.
5. فرض العقوبات على الدول الداعمة للإرهاب وفي مقدمتها إيران وسوريا، العمل على استصدار عقوبات صارمة بحقهما من الأمم المتحدة.
قدم تفسيراً لما يعنيه بحدود 1967م : وقد قال :( اعني بحدود العام 1967 وتبادل الأراضي، أعني أن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني سوف يتفاوضون على حدود مختلفة عن الحدود القائمة قبل الرابع من حزيران في العام 1967، وهذا هو معنى مبادلة الأراضي المتفق عليها، وهي صيغة معروفة لكل من عملوا في هذه القضية منذ أجيال، وان تسمح الأطراف لنفسها بان تأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي حصلت خلال السنوات الـ 44 الماضية. (مع ارتفاع في نبرة الصوت وتصفيق حاد)، وأن يسمح ذلك للطرفين بتحمل المسؤولية عن هذه التغييرات بما في ذلك الوقائع الديموغرافية الجديدة على الأرض، وضرورات كلا الجانبين، والهدف النهائي دولتين لشعبين، اسرائيل دولة يهودية ووطن للشعب اليهودي، ودولة فلسطين وطن للفلسطينيين، وكل دولة تتمتع بتقرير المصير والاعتراف المتبادل والسلام).
وفيما يتعلق ملامح التغير في الخطاب الأمريكي يمكن الاشارة إلى أن:-
مخاطبة التطلعات للناس العاديين والشعوب، التركيز على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل،التركيز على الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
مناهضة استخدام العنف والقمع ضد الشعوب ومراعاة حرية الكلام وحرية التجمع السلمى والحرية الدينية ومساواة الرجال بالنساء وحق اختيار الزعماء وحقوق الأقليات. وهذا يعتبر ذريعة للتدخل في الشئون الداخلية للدول/ وسيتم استخدامه في مواجهة الخصوم و محاولة لتبرير التدخل الأميريكي مستقبلاً ووسيلة لتدويل القضايا الداخلية.
أما عن وسائل الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أهدافها فتتمثل في:-
(1) الترويج للإصلاحات وتأييد التحولات إلى الديمقراطية، والاعتراف بالأطر التي تقود الثورات.
(2) تكثيف العقوبات على الأنظمة غير الصديقة(عزل إيران عن النظام المالي العالمي، فرض عقوبات على نظام الأسد)، دعم الأنظمة الصديقة والتغاضي عن بعض أخطاءها ولأول مرة تشير الولايات المتحدة الأمريكية إلى التزامها بأمن دولة عربية"صديقة" (البحرين)، وتهيئة بعض دول المنطقة (العراق) للعب دور رئيس في المنطقة.
(3) توسيع نطاق المشاركة السياسية للشباب، وبناء شبكة من رجال الأعمال الرواد، وتوسيع برامج التبادل في مجال التعليم، وهو محاولة لحشد مزيد من المستفيدين من السياسات الأمريكية هذه خاصة في وسط الشباب.
(4) تعزيز التعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا و مكافحة الأمراض، وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني في كل المنطقة، وتوظيف التكنولوجيا للتواصل مع مكونات الشعوب العربية.
(5) تعزيز التنمية الاقتصادية للدول التي تتحول إلى الديمقراطية، وذلك عبر تشجيع الاستثمار والتجارة بدلا عن المساعدات، وتسخير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعمل ما يجب فعله من أجل تحقيق الاستقرار وتحديثه، وإعفاء الديون الخارجية عن تلك الدول.
(6) إطلاق مبادرة شاملة للمشاركة في التجارة والاستثمار في الشرق الأوسط وأفريقيا، وإنشاء صناديق للمشروعات من أجل الاستثمار، كل ذلك مع وضع معايير للإصلاح وتحرير التجارة.
من خلال خطاب أوباما يمكن القول بأنه لا تغيير يذكر في السياسة الأمريكية تجاه إيران وإن كان الملف الإيراني مرشح للتصعيد مستقبلاً سواء من حيث فرض مزيد من العقوبات المالية على إيران أو ممارسة مزيد من الضغوط على إيران في الملفات المساعدة لها (سوريا). وممارسة المزيد من الضغوط ضد المنظمات المتحالفة مع إيران (حزب الله- حماس).
يمكن توقع استمرار الموقف الأمريكي المزدوج من حركات هذه الشعوب، إذ ستقف إلى جانب الشعب السوري وبمساعدة دول عربية كالسعودية ودول خليجية لإسقاط النظام، أو في أسوأ الفروض إجباره على تقديم تنازلات في ملفات معينة كالملف اللبناني، ولكن هذه التطورات لن تمضي قدماً إلا بعد إنجاز الملف الليبي،وفي المقابل الوقوف مع النظام الحاكم في البحرين وتجاهل تطلعات الشعب البحريني،والموقف الامريكي المتذبذب من حركات الاحتجاج اليمني ضد نظام صالح
أشار أوباما في خطابه إلى عدد من الحقائق فيما يتعلق باتجاهات السياسة الأمريكية حيال الملف الفلسطيني إلى ضرورة مواجهتها تتمثل في:-
عدد الفلسطينيين الذين يعيشون غربي نهر الأردن يتزايد بسرعة، ويعيد تشكيل الوقائع الديموغرافية لكل من إسرائيل والمناطق الفلسطينية، وهذا سوف يجعل الأمر أصعب بكثير للحفاظ على إسرائيل باعتبارها دولية يهودية ديموقراطية بدون اتفاق سلام.
ان "التقنية" سوف تجعل من الصعب على إسرائيل ان تدافع عن نفسها في ظل غياب سلام حقيقي.
هناك جيل من العرب يعيد تشكيل المنطقة، والسلام العادل والشامل لا يمكن صياغته مع زعيم عربي أو اثنين، حيث أن ملايين العرب يجب أن يروا أن السلام ممكن وأن استمراره ممكناً.
تبحث اسرائيل عن أفضل السبل لمواجهة المستجدات السياسية على الساحة الفلسطينية انطلاقا من الواقع الجديد الذي تعيشه المنطقة، في البدء قد تثير الحفاوة التي استقبل بها نتنياهو في الكونجرس الأمريكي الاستغراب والدهشة عند البعض، لكن بمعرفة طبيعة العلاقة بين الدولتين قد يزول مثل هذا الاستغراب. ومن جانب آخر يستقطب خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي لدى الكونجرس الأمريكي الكثير من الاهتمام على المستوى الدولي وعلى المستوى الإقليمي، خاصة بالنظر إلى طبيعة المواقف التي تصدر في مثل هذه الخطابات. ويسعى كل متابع للشأن العربي والإسرائيلي للبحث عن الجديد في هذا الخطاب وما هو المغير والثابت في عناوين السياسة الإسرائيلية التي تم طرحها في خطابي نتنياهو سواء أما الكونجرس أو مجموعة إيباك، وهل هناك اتجاه نحو المزيد من التشدد والتمسك بالثوابت الصهيونية، أم أن الأمر على خلاف ذلك بحيث تشير المواقف إلى السير نحو الاستجابة للمتغيرات الإقليمية والدولية وعدم التمترس وراء المواقف التقليدية كثمن لسلام ينشده كل إنسان.
وتتمثل النقاط التي تطرق لها خطاب نتانياهو أمام الكونجرس في:-
(1) التأكيد على دور اسرائيل فى مساعدة أمريكا فى مكافحة الارهاب.
(2) التأيكد على حرص إسرائيل على حماية القيم الأمريكية المتمثلة فى الحرية والديمقراطية .
(3) الإشارة الى إلتزام أمريكا بحماية أمن اسرائيل على اعتبار أن دعم اسرائيل مهم لأمن أمريكا.
(4) الاشارة إلى أن الجمهورية الايرانية تشكل مصدراً للارهاب باعتبارها نظاماً اسلامياً يسعى الى امتلاك سلاح نووى يستهدف ازالة اسرائيل ، مع التأكيد على قدرة أمريكا واسرائيل معاً على هزيمة ايران.
(5) الاشارة الى أن ايران تنكر المحرقة وتنكر حق اسرائيل فى الحياة فى محاولة لربط القيم الايرانية بقيم المقاومة الاسلامية ومن ثم حماس وحزب الله ، ورعاية الارهاب ومعاداة الساميه ، داعياً الى عزل ايران عن المحافل الدولية وعن النظام المالى العالمى . وطالب بطرح كافة الخيارات بما فيها العسكرى ضد ايران وهى دعوة صريحة للحرب على ايران وقدم تبرير لامتلاك بلاده للرؤوس النووية باعتبارها حق اسرائيل فى الدفاع عن نفسها.
(6) أشار نتنياهو الى دعمه للاقتصاد الفلسطينى من خلال رفع الحواجز مضيفاً أن حركة الحياة داخل فلسطين تسير بصورة طبيعية وأن اسرائيل ساهمت فى نمو الاقتصاد الفلسطينى بنسبة 10% ، مشيراً الى أن ذلك يتحقق فى ظل عدم وجود سلام. منتقداً من يدين اسرائيل فى استخدامها القوة العسكرية في كثير من الأحيان، باعتبار أن ذلك يدخل في إطار الدفاع عن النفس.
تتمثل الرؤية الإسرائيلية للقضية الفلسطينية في جملة من النقاط التي ترتكز إليها إسرائيل في معظم تحركها الدبلوماسي نجملها في:-
(أ) اسرائيل حريصة على السلام مع الفلسطينين.
(ب) أن اسرائيل غير محتلة للأراضى الفلسطينية.
(ت) يهودية الدولة تعنى اجلاء العرب من الدولة الاسرائيلية.
(ث) عدم قبول عودة اللاجئين الفلسطينين وحلها خارج حدود فلسطين.
(ج) امكانية التنازل عن الأراضى الاسرائيلية على أن يراعى التغيرات الديمغرافية منذ 1967 بمعنى عدم التخلي عن المستوطنات الكبيرة.
(ح) عدم عودة اسرائيل الى حدود 67 باعتبارها حدود غير آمنة.
(خ) ثبات الحدود التى تتمخض عنها المفاوضات. واعتبار أن السلام الوحيد الذى يمكن أن يبقى هو القائم على الامن.
(د) خروج اسرائيل من لبنان ومن غزة يعني عدم السيطرة على تدفقات الاسلحة إلى داخل الدولة الفلسطينية ، وفي هذا السياق تأتي المطالب الاسرائيلية بنزع سلاح الدولة الفلسطينية مع المطالبة بالحضور العسكري لاسرائيل على المدى الطويل حول نهر الاردن.
(ذ) اعتبار أن طريق السلام هو المفاوضات وهو مايؤيده بشدة أوباما.
(ر) عدم التفاوض مع حماس باعتبارها ملتزمة بتدمير اليهود .
تلخصت رؤية نتنياهو للسلام في اللاءات الآتي:-
o لا لتقسيم القدس.
o لا للرجوع لحدود 1967.
o لا للمفاوضات مع حكومة تضم حركة حماس.
o لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلدانهم.
o لا لتجميد آخر للاستيطان.
وقد حمل خطاب نتنياهو أمام (ايباك) الآتي:-
1. التأكيد على وقوف اسرائيل الى جانب امريكا، والتعاطف مع الشعب الأمريكى فيما أصابه من أعاصير.
2. التأكيد على أن اسرائيل وأمريكا يقفان أمام عدو مشترك ومصالح مشتركة.
3. التأكيد على أن اسرائيل تمتلك التكنلوجيا التى تشمل الحاسوب، مكافحة الأوبئة والأمراض، وحماية البيئة.
4. الاشارة إلى أن اسرائيل هى الضامن لحرية الأديان فى القدس وهى راعى قيم الديمقراطية والحرية، فيها مليون مسلم يتمتعون بكل الحقوق المدنية.
بصورة عامة لم يحمل خطاب نتنياهو جديداً يذكر، وما جاء به نتنياهو هو ما دأب دوماً على تأكيده سواء في لقاءاته أو خطاباته، وهو يؤكد على الثوابت الإسرائيلية التي يُجمع عليها كل الفرقاء الإسرائيليين "مع بعض التباينات الثانوية" بين يمينها ويسارها. ولم يسبق لمسؤول إسرائيلي في موقع نتنياهو، أن جاء بغير ما قدمه الأخير، كمعطى ثابت لجميع الإسرائيليين في زمن " الحرب كما في زمن السلام". بلاءاتهم الخمسة المشهورة: عدم العودة لحدود الرابع من حزيران، وعدم السماح بعودة اللاجئين، وعدم تقسيم القدس باعتبارها العاصمة الموحدة "لإسرائيل"، وعدم القبول بسيادة فلسطينية كاملة، وعدم إزالة المستوطنات. يضاف لما سبق الشرط/الفكرة المركزية في العقل الصهيوني، الاعتراف بيهودية الدولة.
إن ما وصلت إليه القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة من تراجع خطير على كل الأصعدة ، ليس فقط بسبب الوضع العربي التابع والخاضع للإرادة الأمريكية أو بسبب مجافاة الظروف الدولية، ودعمها اللامحدود للوجود الصهيوني، أو بسبب شراسة ونوعية الهجمة الصهيونية على الحقوق الفلسطينية، بل في الجوهر من ذلك كله، أن الفلسطينيين فشلو في إدارة الصراع، مع عدو لم يتوانى لحظة في توظيف كل منجزات العلم، والقوة، والاقتصاد، والثقافة في الصراع. مقابل ارتجالية وعشوائية وفهلوة سياسية، تنتقص من الحق لتضع في ميزان الباطل/العدو. كذلك فإن الصهيونية لم تبن فكراً قائماً على حل ما أوجدته حرب إقامة دولة إسرائيل، أو رؤية للدولة في شرق أوسط بدون حروب وعداء.
يركز الإستراتيجيون الإسرائيليون على أن العودة لما وراء حدود الرابع من يونيو/حزيران 67 يعني العودة إلى حدود اتفاقية الهدنة 1949، أي البقاء تحت أخطار قيام هجوم ثلاثي سوري مصري أردني باتجاه الحدود يهدد بقاء ووجود إسرائيل بشكل مباشر، ومن هذه الفكرة الإستراتيجية نشأ المصطلح الإسرائيلي الحدود الآمنة التي يمكن الدفاع عنها. ويرى الخبراء أن حرب 67 منحت إسرائيل الفرصة لاحتلال كامل التراب الفلسطيني وصحراء سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية. وقد أعطت تلك الحرب القوات الإسرائيلية مزايا دفاعية كبيرة كونها أبقت القوات المصرية إلى غرب القناة وأبعدت عنها تهديد المدفعية الأردنية والسورية في آن معا ومنحتها المساحة المطلوبة للمناورة التكتيكية في العمق الإستراتيجي لإعادة تجميع القوات وشن هجوم مضاد.
ينطلق الإسرائيليون في إصرارهم على التمسك بحدود ما بعد الرابع من يونيو/حزيران من مبادئ إستراتيجية تتقاطع مع فكرة إسرائيل الدينية التوراتية، وهي:-
1. الحرب مع العرب لن تنتهي حتى مع توقيع اتفاقية سلام.
2. قيام دولة فلسطينية يعني تعريض إسرائيل لخطر الصواريخ من مسافة قريبة تصيب تجمعات سكانية كبيرة.
3. خسارة الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية.
4. خسارة العمق الإستراتيجي المطلوب وقدرة الردع الاستباقي على حرب العصابات مع الفصائل الفلسطينية وحزب الله.
تصر إسرائيل على الإحتفاظ بالمستوطنات الكبيرة التي أقامتها وفقاً لحدود عام 1967، وليست المستوطنات الإسرائيلية الصغيرة المعزولة خارج الكتل الإسرائيلية وتصر أيضاً على وجودها العسكري في وادي الأردن ولا يعني ذلك الاحتفاظ بمستوطناتها هناك.
من الأمور التي تعتبر من ثوابت العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية الدعم العسكري الأمريكي المطلق وبوضع تتمتع فيه اسرائيل بأفضلية على دول الناتو،حيث تضمن المؤسسة العسكرية الامريكية دعم اسرائيل بأحدث الأسلحة لضمان تفوقها النوعي والكمي على كل الدول العربية مجتمعة، وكل الأخطار المحدقة بالدولة العبرية بدءا من مشروع القبة الحديدية كرد على الصواريخ البدائية المنطلقة من غزة، وصولاً إلى التقنية الفضائية للمجال العسكري.
يستمد حق العودة للاجئين الفلسطينيين قوته من إستناده للشرعية الدولية والقانون الدولي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي المقابل تطرح إسرائيل أفكاراً متوازية مع الشرعية الدولية وفي مقدمتها فكرة أن حل قضية اللاجئين يكمن في توطين اللاجئين الفلسطينيين في خارج وطنهم، وبخاصة في الدول العربية التي يعيشون فيها، وذلك إنطلاقاً من إعتبار أن الأنظمة العربية هي المسؤولة عن مآسي هؤلاء اللاجئين. ولا يستند الرفض الإسرائيلي لمبدأ حق العودة للاجئين على أي أساس قانوني، بل يعتمد على رؤية إسرائيلية خاصة تتذرع بأن عودة أي عدد من اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل يهدد كينونة الدولة العبرية كدولة يهودية، رغم أنه وعلى مدى خمسين عاماً أثبتت فكرة التوطين استحالتها في أن تشكل بديلاً لوجوب إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين قائم على قرارات الشرعية الدولية، وبخاصة القرار 194.
منذ إنطلاق مفاوضات الوضع النهائي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي والتي بلغت ذروتها في قمة كامب ديفيد الثانية في يوليو 2000، يلاحظ أن معظم القضايا مثار الخلاف تم فيها تقدم ولو نسبي، عدا قضية اللاجئين التي لا تزال تراوح مكانها، ويدل ذلك على صعوبة المشكلة وأهميتها ويعبر كذلك عن مدى التباعد بين مواقف الطرفين.
الديمغرافيا وهي من أهم المبادئ التي ستقاتل من أجلها إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة على اعتبار أن التوازن الديموغرافي في حال عودة الفلسطينيين إلى أراضي (48) فقط سيحدث إختلالاً لصالح الفلسطينيين وهذا ما لن تقبله إسرائيل لأنه يخل بأحد أهم الثوابت فى السياسة الاسرائيلية وهو مبدأ يهودية الدولة.
لم يتزحزح الموقف الإسرائيلي بخصوص القدس عن الثابت الصهيوني إزاءها وهو القدس عاصمة أبدية للدولة اليهودية، وعدم تقسيم القدس تحت أي ظرف، و حق الشعب اليهودي في البناء والاستيطان في القدس هو حق مقدس في أي وقت وفي أي مكان، ويمكن تأجيل التفاوض حول القدس مع الفلسطينيين إلى مرحلة المفاوضات النهائية.