علاقة اسرائيل وجنوب السودان وانعكاساتها على السودان
اقام مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية فى 18/يناير /2012 ندوة بعنوان علاقة اسرائيل وجنوب السودان وانعكاساتها على السودان
تحدث فيها كل من :
د.جمال رستم
د. عبد الوهاب الطيب البشير
د. محمد عبد القادر
أ. عاصم فتح الرحمن احمد الحاج
اهم محاور النقاش :
1- بعد اعلان الدولة والاستقلال أو انفصال جنوب السودان لحاله كمنظمة حكومية جديدة في مجموع الدول والسياسة العالمية، ومن ثم دخولها تحت قبة الأمم المتحدة، سارعت العديد من الدول للاعتراف بها وكان السودان نفسه أولها، وقوى دولية كبرى كالولايات المتحدة والصين، والمنظمات الدولية والاقليمية، كالامم المتحدة والاتحاد الافريقي والجامعة العربية...
2- دخلت اسرائيل منذ البدء في التصريحات والوعد الرسمي لاعترافها بالدولة الجديدة، كما حرص جنوب السودان نفسه على تأكيد حقه في العلاقة الجيدة والمتبادلة مع اسرائيل، متقاضياً عن العلاقات التاريخية في وجوده السابق ضمن جمهورية السودان والتي لم تكن تقيم، بل ترفض إقامة علاقات مع اسرائيل.
3- اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بينيامين نتنياهو في بيان أن الحكومة الاسرائيلية اعترفت بجنوب السودان الذي اعلن استقلاله، متمنية للبلد الجديد "النجاح والتوفيق". وقال بيان رئاسة الوزراء الاسرائيلية "بالامس ولدت دولة جديدة جنوب السودان، انا اعلن هنا ان اسرائيل تعترف بجمهورية جنوب السودان"، مضيفا "ونتمنى لها النجاح والتوفيق كبلد ساع للسلام». واضاف البيان ان اسرائيل «تتطلع للعمل مع جنوب السودان". وأعلنت وكالة «اسرا ايد»، التي تتألف من منظمات إغاثة إسرائيلية ومنظمات يهودية، إرسالها على الفور مساعدات إنسانية لجنوب السودان "بالنيابة عن الشعب الإسرائيلي واليهودي كبادرة حسن نوايا بين الشعبين". يشار الى ان اسرائيل وفرت ملجأ لآلاف اللاجئين السودانيين، بينهم المئات من جنوب السودان، وذكرت وكالات أن لاجئين من جنوب السودان في اسرائيل حملوا أعلام دولة الجنوب الوليدة وعلم اسرائيل خلال احتفالات اقيمت في تل ابيب في يوم 9 يوليو 2011 للاحتفال باستقلال جنوب السودان (اسوشيت برس).
4- "بدونكم ما كنا لننجح في الصراع من أجل الاستقلال".. بهذه العبارة خاطب رئيس دولة جنوب السودان "سيلڤا كير ميارديت" مضيفيه الإسرائيليين، خلال زيارته إلى إسرائيل في العشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي (2011). وهي عبارة، حين تأتي من رأس هرم السلطة للدولة التي استقلت عن جمهورية السودان في التاسع من يوليو2011، فإنما تلخص إقراراً رسمياً وعلنياً، بعمق العلاقات التي كانت قائمة بين إسرائيل ودولة جنوب السودان، قبل سنوات مديدة من تاريخ استقلالها.
5- منذ اعتراف إسرائيل بدولة جنوب السودان، ومواصلة مختلف صيغ التعاون بينهما، تشير إلى اتجاه هذه العلاقات نحو مزيد من التعاون، وربما التحالف، في المستقبل المنظور، لاسيما في ضوء وصف الإسرائيليين زيارة "سيلڤا كير" بأنها "لحظة مؤثرة وتاريخية"، وتصريح "سيلڤا كير" بأن "دولة جنوب السودان تعتبر دولة إسرائيل نموذجاً يُحتذى به ومثالاً للنجاح".
6- أحقية جنوب السودان في إقامة علاقات مع إسرائيل من الناحية القانونية والسياسية، فجنوب السودان ليس له نفس الحرج الذي يواجهه السودان، ذي الغالبية المسلمة، وذي الحكومة التي تعلن تمسكها بالشريعة التي يعتقد أنها تحرم موالاة اليهود ولأن اليهود أشد عداوة للمؤمنين وحكومتهم، فجنوب السودان ليس محرجاً فهو دولة علمانية لا تنظر للدول من منظور ديني بقدر ما تنظر لمصالحها الاقتصادية والسياسية والتنموية والأمنية.
7- السودان لم يقدم الاغراء لجنوب السودان بما يدفعهم للنظر إلى مصالحه وما يجذبهم لأفكاره وأطروحاته، بينما كان الجنوبيون محاصرين بدفوع ملفات قادتهم لتغليب خيار الانفصال عن السودان هذه الملفات يمكن أن نحصيها في:
- ملف تطبيق الشريعة في السودان، فبينما ترى الحكومة السودانية سيادتها تعطيها الحق في تطبيق القوانين والتشريعات التي تتناسب ومعتقدات شعبها وتقاليدهم وقيمهم، يجد الجنوبيون أنفسهم يتحملون تبعات رؤية سياسية هم غير معنيين بها، وتجر عليهم من الضغوط والاعباء والحصار ما هم في غناً عنه. وقد لا يحصرون الأمر في تطبيق هذه الاحكام على الجنوبيين أو عدم تطبيقها عليهم.
- ملف التهميش والاستعباد والاستعمار الموروث في ذهن المواطن الجنوبي منذ استقلال السودان عن التاج البريطاني والعلم المصري، فلدى الجنوبيون شعور متجذر بالدونية والاحتقار والاستخدام في الاعمال الهامشية والعمالية والبدنية المرهقة والمنحطة، أكثر منها إلى الاعمال التي تحفظ له كرامته وانسانيته، في مقابل عدم مشاركة هذه الاعمال مع السودانيين من قبائل الشمال، ومع أن هذا الأمر ربما ربطه البعض بالعامل التاريخي والذي ارتضاه الجنوبيون أنفسهم، إلاّ أنّ للمثقف الجنوبي والسياسي رأي آخر فهو يرى أن الحكومات المركزية المتعاقبة لم تعمل على تنمية ابناء الجنوب ولا تعليمهم ولم تعمل على أن يكونوا في قدم المساواة مع انسانها في الشمال، وابقتهم رهينة للفقر والضعف والجهل والمرض على حد سواء، ويرون أنها مسؤولية حكومية.
- ملف النفط، فبينما ظل الجنوب طوال سنوات الاستقلال متضجراً من وضعه وواقعه النفسي المضطهد في مقابل المواطنين الشماليين الذين يعاملونه بازدراء واحتقار، ويتحاشون الاختلاط به ومشاركته، إلاّ أن الشعور بعدم الحيلة كان كفيلاً بإبقائهم على هذا الحال فهم لا يرون في أرضهم مشاريع منتجة ولا آفاق للاستثمار والموارد، فغابات الجنوب المطيرة معظم أشهر السنة وأرضه الطينية اللزجة، لا تفتح الشهية ولم تعود المواطن والفرد على العيش من مكنونها، فهي لا تسمح إلاّ بالاستثمارات الكبيرة في الإطار الحكومي. وعند تفجر آبار النفط وتدفق موارده المالية، حرك هذا شهية الجنوبيون بقدرتهم على الاكتفاء من موارد أرضهم والانتفاع بها ذاتياً.
- العامل الخارجي الذي رفع من سقف الملفات الثلاث السابقة وسوق لها وأفرد لها مساحات واسعة في الاعلام والسياسة، وعمل على أزكاء التشاحن والصراع بين الشماليين والجنوبيين وبين الحكومة المركزية والساسة الجنوبيين، مما جعل سقف الرضا والقبول والتعلل والتسبب عند هذا الطرف كبيراً وغير منطقي وغير واقعي وغير منتهي، وقد استغل العامل الخارجي الساسة الجنوبيون لتحريك أغراضه وانجاز أهدافه في محاصرة السودان وحكومته والتضييق عليها وخلق المزيد من الازمات لها.
8- في المقابل ووفقاً للأجندة الخارجية والمصالح فقد تحركت إسرائيل بديناميكية عالية وسريعاً مستغلة جنوب السودان وقبل انفصاله، لتصيب هدفين في آن معاً، الأول أن تضع يدها على حليف تتعاون معه في وسط إفريقيا يربط لها الجنوب الإفريقي مع الشمال، وتضع من خلاله مخططاتها في مياه النيل في شقها الجنوبي، وبالتالي من خلال علاقاتها مع جنوب السودان وإثيوبيا تكون قد أوجدت موقعها وقرارها في منابع ومياه النيل، فعملت إسرائيل عبر المساعدات والدعم لاستقطاب الدولة الجديدة والتي بالضرورة وهي في مراحل تأسيسها تفتقد الكثير من البنيات وتحتاج المزيد من الاشارات والعون.
• وإذا كانت المعطيات المتراكمة ما قبل زيارة "سيلڤا كير" تشير إلى مدى قوة الروابط التي نُسجت بين الطرفين، فإن معرفة المستجدات الجارية منذ اعتراف إسرائيل بدولة جنوب السودان، ومواصلة مختلف صيغ التعاون بينهما، تشير إلى اتجاه هذه العلاقات نحو مزيد من التعاون، وربما التحالف، في المستقبل المنظور، لاسيما في ضوء وصف الإسرائيليين زيارة "سيلڤا كير" بأنها "لحظة مؤثرة وتاريخية"، وتصريح "سيلڤا كير" بأن "دولة جنوب السودان تعتبر دولة إسرائيل نموذجاً يُحتذى به ومثالاً للنجاح".
ويبيّن تحليل الجذور التاريخية لهذه العلاقة أن "الاستثمار الاستراتيجي" الإسرائيلي في دعم استقلال جنوب السودان كان مجدياً تماماً. وتتجسد هذه الحقيقة لدى مطالعة الأدبيات التي تناولت ذلك، وخاصة كتاب "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان" للعميد في جهاز الموساد الإسرائيلي "موشى فرحى" (الصادر عن مركز دايان للدراسات الشرق أوسطية والإفريقية بجامعة تل أبيب عام 2003)، والرواية التي قدمها الجنرال السوداني الجنوبي، المؤسس الفعلي للحركة الشعبية والجيش الشعبي، "جوزيف لاقو" (في أحاديثه لوسائل إعلام إسرائيلية خلال العامين الماضيين) عن الدور الإسرائيلي في دعم استقلال الجنوب. فطبقاً لهذه الأدبيات تبنّت إسرائيل منذ عهد رئيس حكومتها الأول "دافيد بن غوريون" مبدأ "التحالف المحيطي" الذي يتضمن إقامة علاقات مع الدول والقوى المحيطة بالوطن العربي للحفاظ على مصالحها في المنطقة.
اهمية الجنوب لدى اسرائيل :
• ان الموقع الجيو-سياسي لمنطقة جنوب السودان ذا أهمية بالغة لإسرائيل، لكونها تقع في أعالي منابع نهر النيل، وبالتالي فإن إقامة علاقات قوية معها من شأنه أن يحقق مكاسب عديدة لإسرائيل، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، لذا سارعت تل أبيب إلى الاعتراف بالدولة الجديدة بعد ساعات على قيامها، وأقامت معها علاقات دبلوماسية، كما نُظمت زيارة رسمية معلنة لوفد إسرائيلي، برئاسة "داني دانون" نائب رئيس الكنيست، إلى "جوبا" عاصمة دولة الجنوب، في أواخر آب/أغسطس2011، فتحت المجال أمام تنوع الاتصالات والزيارات بين الطرفين، على مستويات عدة، رسمية وشعبية. كما عيّنت وزارة الخارجية الإسرائيلية مسؤولاً في الوزارة لمتابعة ملف الدولة الوليدة.وحسب التقارير الإسرائيلية التي تتناول الفترة الراهنة، تعدّ دولة جنوب السودان الأكثر وداً لإسرائيل في أفريقيا، وليس لدى الإسرائيليين أي سبب لإخفاء جنسيتهم هناك، وهم يُستقبلون فيها بترحاب، ليس فقط بسبب اعتقاد أبناء الجنوب أن الإسرائيليين ساهموا في تحقيق حلمهم بالاستقلال، بل أيضاً، وهو الأهم، بفعل شبكة المساعدات والأعمال والمصالح التي نسجها الإسرائيليون مع الجنوبيين.
• ويشكل ملف اللاجئين الأفارقة ملفاً مؤرقاً لإسرائيل؛ حيث تشير بعض الإحصاءات المتوافرة أنه يوجد في إسرائيل نحو 8000 سوداني تسللوا خلال السنوات الماضية. وقد شغل هذا الملف حيزاً مهماً في مباحثات الجانبين خلال الزيارة، حيث اقترح رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" على "سيلڤا كير" خلال لقائهما، إقامة معسكرات لإيواء جميع المتسللين الأفارقة الذين تعيدهم إسرائيل، وأن يتولى المدير السابق لمكتب وزارة الدفاع الإسرائيلية "فيكتور بارجيل" إدارة هذه المعسكرات والإشراف عليها.ورغم أهمية ملف اللاجئين الأفارقة، فإن مصالح إسرائيل في دولة الجنوب لا تقتصر على ذلك وتتنوع على أكثر من مستوى.
• في المجال العسكري- الأمني، تُعنى إسرائيل بتنظيم وتعزيز القوات العسكرية والاستخبارية في جنوب السودان، لتوسيع سوق الأسلحة من جانب، وللحصول على معلومات دقيقة حول ما يجري في المنطقة من جانب آخر، ولا يخفى ما لهذا من أهمية لها، بسبب المسافات الواسعة التي تفصلها عن السودان.وفي هذا الصدد، تعمل إسرائيل على إنشاء قاعدة جوية في منطقة "فلج" بجنوب السودان، بهدف تدريب الطيارين الحربيين الجنوبيين، لتؤكد بذلك على الأهمية القصوى التي توليها لهذه الدولة، التي أصبحت بالفعل جزءاً رئيسياً من الاستراتيجية الإسرائيلية نحو أفريقيا جنوب الصحراء. كما تعتزم إسرائيل بناء ثكنات لقوات الحدود ومستشفيات عسكرية، وإنشاء مركز بحوث للألغام في "جوبا". كما تسلّمت استخبارات "الجيش الشعبي" و"وحدة الأمن الرئاسي" في دولة جنوب السودان مؤخراً، أسلحة إسناد حربية وكمية من أسلحة المدفعية وعدداً من الراجمات وأجهزة للرصد والاستشعار الحراري مقدمة من إسرائيل. وقد وصلت الشحنة، طبقاً لتقارير صحفية نشرت مطلع يناير 2012، عبر الحدود الأوغندية إلى داخل "جوبا".وارتباطاً بهذا البعد العسكري- الأمني، تحرص إسرائيل على تعزيز التعاون مع دولة جنوب السودان لمواجهة التهديدات المحتملة الموجهة لها من داخل القارة، وهناك تقديرات أنه بفضل المساعدة التي تلقتها من دولة جنوب السودان تمكنت إسرائيل من شن نحو أربع غارات، على الأقل، خلال السنوات الأربع الماضية، على قوافل سودانية زعمت إسرائيل أنها كانت تحمل أسلحة ومقاتلين إلى قطاع غزة.
• وفي مجال الاقتصاد، ثمة ما يُغري إسرائيل بتعزيز علاقاتها مع دولة تضم أكثر من 8 ملايين نسمة، وذات احتياطيات نفطية مهمة (بالمرتبة 23 في العالم) كانت توفر نحو 90% من العملة الصعبة للسودان الموحد (سابقاً). وقد بيّن الإسرائيليون أن مجالات التعاون مع جنوب السودان ستشمل قطاعات الزراعة والغابات والنفط والتعدين والتكنولوجيا والطرق والجسور والكهرباء، وغيرها.
• وذكرت تقارير صحفية حديثة أن مبعوثين إسرائيليين ناقشوا مع حكومة "جوبا" إنشاء خزان للطاقة الكهربائية في مدينة "نمولي" (خلال فترة وجيزة)، وشق قنوات للمياه. كما بدأ مستثمرون إسرائيليون بإنشاء محطة لتنقية المياه بين النيل الأزرق ودولة إثيوبيا على حدود جنوب السودان. وفي المستقبل المنظور، كمثال، يمكن للعديد من رجال الأعمال الإسرائيليين الذين يرسلون معامل النسيج وسواها إلى الصين أن يتوجهوا بدلاً من ذلك إلى جنوب السودان، خاصة أن الأجور هناك منخفضة جداً.
في المقابل تسعى دولة جنوب السودان إلى تحقيق العديد من المصالح والأهداف عبر توجهها نحو تعزيز العلاقات مع إسرائيل، فمن ناحية، يمكن التقدير بأن هذه الدولة الوليدة معنيّة بإقامة تحالف دولي، بمضامين استراتيجية، عسكرية وأمنية وسياسية، مع بعض القوى الإقليمية القوية بشكل يساعدها في مواجهة المخاطر التي يمكن أن تهددها، ولاسيما أنها تحاذي دولاً أفريقية لا تربطها بها علاقات ودية، وربما تنشأ نزاعات معها في المستقبل. ويبدو أن إسرائيل هي الدولة المفضلة لدى جنوب السودان لهذا الغرض لتكون دولة حليفة، لا سيما بفعل "ثقلها الدولي"، ممثلاً بعلاقاتها الوطيدة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وثانياً بفضل ما تملكه من خبرات وأسلحة حديثة.
ومن ناحية أخرى تهدف دولة الجنوب إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات الزراعة والبحث العلمي من أجل تعزيز فرص النمو الاقتصادي لديها، خاصة أنها تعد من أكثر دول العالم فقراً، وتحتاج إلى الدعم والمساندة من دول العالم كافة لترسيخ أركان الدولة الوليدة.
اسرائيل والسودان :
تأتي السياسة الإسرائيلية تجاه السودان في سياق حلقة من حلقات الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه الشرق الأوسط وإفريقيا ، و ذلك يتجلى بوضوح في إفادات وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي (ديختر) في محاضرة بعنوان أبعاد الحركة الإستراتيجية الإسرائيلية القادمة فى البيئة الإقليمية يوم الخميس 4 سبتمبر 2008 فى معهد أبحاث الأمن القومى. فقد إستهل آفى ديختر وزير الأمن الداخلي الحديث عن البعض فى إسرائيل ممن يتساءل: لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية ؟ ولماذا التدخل فى شؤونه الداخلية فى الجنوب سابقاً وفى الغرب دارفور حالياً طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافياً وطالما أن مشاركته فى إسرائيل معدومة أو هامشية وإرتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات إرتباطاً واهياً وهشاً). مشيراً إلى أن (ديختر) قام بتقديم إجابات على تلك التساؤلات تتمثل في:-
• إسرائيل حين بلورت محددات سياستها وإستراتيجيتها حيال العالم العربى ، انطلقت من عملية إستجلاء وإستشراف للمستقبل وأبعاده وتقييمات تتجاوز المدى الحالى أو المنظور.
• السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول عربية رئيسية مثل مصر والعراق والسعودية لكن السودان ونتيجة لأزمات داخلية بنيوية ، صراعات وحروب أهلية فى الجنوب إستغرقت ثلاثة عقود ثم الصراع فى دارفور ناهيك عن الصراعات حتى داخل المركز الخرطوم تحولت إلى أزمات مزمنة . هذه الأزمات فوتت الفرصة على تحوله إلى قوة إقليمية مؤثرة تؤثر فى البيئة الإفريقية والعربية.
• كانت هنالك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية إستقلال السودان فى منتصف عقد الخمسينات أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عن إسرائيل أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربى لأن موارده إن أستثمرت فى ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب. وفى ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الإختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد.
• وأضاف ديختر :كون السودان يشكل عمق إستراتيجي لمصر. هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام لسنة 1967 عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء السلاح الجو المصري والقوات البرية هو وليبيا . ويتعين أيضاً أن نذكر بأن السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الإستنزاف التى شنتها مصر منذ عام 1970 - 1968 . لذلك كان لابد أن نعمل على إضعاف السودان وإنتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة رغم إنها تعج بالتعددية الإثنية والطائفية – لأن هذا المنظور الإستراتيجى الإسرائيلي ضرورة من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القويى الإسرائيلي.
• وقد عبَّرت عن هذا المنظور رئيسة الوزراء الراحلة (جولدا مائير) عندما كانت تتولى وزارة الخارجية وكذلك ملف إفريقيا فى عام 1967عندما قالت :(إن إضعاف الدول العربية الرئيسية وإستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا فى إطار المواجهة مع أعداءنا . وهذا يحتم علينا إستخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى).
• وكشفت عن إن إسرائيل وعلى خلفية بعدها الجغرافى عن العراق والسودان مضطرة لإستخدام وسائل أخرى لتقويض أوضاعهما من الداخل لوجود الفجوات والثقرات فى البيئة الإجتماعية والسكانية فيهما.وقد أورد ديختر معطيات عن وقائع الدور الإسرائيلي فى إشعال الصراع فى جنوب السودان إنطلاقاً من مرتكزات أقيمت فى إثيوبيا وفى أوغندا وكينيا وزائير سابقاً(الكونغو الديمقراطية) حالياً. جميع رؤساء الحكومات فى إسرائيل من بنجوريون وليفى أشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحيم بيغن ثم شامير وشارون وأولمرت تبنوا الخط الإستراتيجى فى التعاطي مع السودان الذى يرتكز (على تفجير بؤر وأزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب وفى أعقاب ذلك فى دارفور). هذا الخط الإستراتيجي كانت له نتائج ولا تزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكرياً وإقتصادياً قادرة على تبوء موقع صدارة فى البيئتين العربية والإفريقية.
تدخلت إسرائيل بصورة واضحة في دارفور وعملت على تدويلها وتعقيدها ، وخير دليل على ذلك إفادات ديختر الذي قال فيها:"فى البؤرة الجديدة فى دارفور تداخلنا فى إنتاجها وتصعيدها وكان ذلك حتمياً وضرورياً حتى لايجد السودان المناخ والوقت لتركز جهودها بإتجاه تعظيم قدراته. ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف لأن تلك الجهود بمثابة مداخلات ومقدمات التى أرست منطلقاتنا الإستراتيجية التى تضع نصب علينها إن سودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوي وموحد وفاعل. نحن بالإضافة إلى ذلك نضع فى إعتبارنا وفى صميم إهتمامنا حق سكان الجنوب فى السودان فى تقرير المصير والإنعتاق من السيطرة ومن واجبنا الأدبي والأخلاقي أن ندعم تطلعات وطموحات سكان الجنوب ودارفور ، حركتنا فى دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمي وعلى نشاط أجهزة معينة. فالمجتمع الإسرائيلى بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وإمتداداتها فى الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور، لحسن الطالع إن العالم يتفق معنا من إنه لابد من التدخل فى دارفور سياسياً وإجتماعياً وعسكرياً. الدور الأمريكي فى دارفور دور مؤثر وفعَّال ومن الطبيعي أن يسهم أيضاً فى تفعيل الدور الإسرائيلي وإسناده ، وكنا سنواجه مصاعب فى الوصول إلى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه بمفردنا وبمنأى عن الدعم الأمريكي والأوروبي". ويضيف ديختر صانعوا القرار فى البلاد كانوا من أوائل المبادرين إلى وضع خطة للتدخل الإسرائيلى فى دارفور 2003 . والفضل يعود إلى رئيس الوزراء السابق اريائيل شارون . فقد أثبت النظرة الثاقبة لشارون والمستمدة من فهمه لمعطيات الوضع السوداني خصوصاًَ والوضع فى غرب إفريقيا صوابيتها . هذه النظرة تم العتبير عنها فى كلمة قاطعة ألقاها رئيس الوزراء السابق خلال إجتماع للحكومة فى عام 2003 (حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا فى جنوب السودان). كمايضيف ديختر : لابد هنا من التذكير مرة أخرى بأن قدر هام وكبير من أهدافنا فى السودان قد تحقق على الأقل فى الجنوب وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقيق فى غرب السودان فى دارفور. وعندما سئل ديختر ماهى نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستصعية فى الجنوب وفى الغرب والإضطراب السياسي وعدم الإستقرار فى الشمال وفى مركز القرار ، رد ديختر على هذا السؤال (هناك قوة دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرَّة على التدخل المكثف فى السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفورعلى غرار إستقلال إقليم كوسوفو. لا يختلف الوضع فى جنوب السودان وفى دارفور عن وضع كوسوفو. سكان هذين الإقليمين يريدون الإستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك).
إن تاريخ الحركة الصهيونية والمنطلقات التي ارتكزت عليها في تحديد أهدافها والوسائل التي اتبعتها لتحقيق تلك الأهداف إنطلاقاً من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، وهناك مغالطات تروِّج لها الحركة الصهيونية وإسرائيل . وقد مرت الحركة الصهيونية بمراحل ومستويات من التحالف مع الدول الإستعمارية التي مهّدت الطريق امام نشأة إسرائيل وقيامها في الخاصرة العربية ووفرت لها كل الإمكانات.
سعت إسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973 بجهد بغية خلق صراعات داخلية بالدول العربية كما في لبنان وغيرها من الدول ، ثم صراعات بين الدول العربية الأمر الذي أثَّر وما يزال على مسار الصراع العربي الإسرائيلي وفي ذلك الإطار كانت حرب الخليج الأولى ثم الثانية .و لم تكتفي إسرائيل بالخطة العامة تجاه المنطقة العربية ودولها بل قامت بإعداد خطط للتعامل مع كل دولة بصورة منفردة ، ومن ثم وفِّقت في خلق حالة من التشتت والإختلافات الحادة بين الأنظمة العربية التي كبَّلت نفسها بالإتفاقيات الثنائية . ومن جراء تلك الإنقسامات الحادة أصبحت بعض الدول العربية لا ترى في الكيان الإسرائيلي عدوَّاً أساسياً وإنما قامت بخلق أعداء وهميين في المنطقة .
يشير البعض الى أن إسرائيل لن تلتزم بالتعهدات وإنما تفاوض من أجل المفاوضة لا أكثر ، ولا تريد تفاوضاً مع العرب كمجموعة واحدة لها مطالبها وحقوقها وإنما تميل إلى التفاوض مع الدول منفردة الأمر الذي يخلق يوماً بعد يوم تباعداً في المواقف بين الدول العربية . و أن خيار الأمل في الظروف الراهنة هي خيار المقاومة ،وجدير بالذكر أن المقاومة لا تعني العمل العسكري فقط وإنما تضم الجانب الإقتصادي والسياسي والإعلامي والثقافي . كما أن إسرائيل الآن ليست جاهزة ولا تملك الرغبة للسير الجاد نحو عملية السلام ، و على العرب إدراك أن السلام لن يأتي من خلال التنازلات المستمرة من جانب واحد –الجانب العربي – وإنما عليهم دعم المقاومة بكافة أشكالها باعتبارها خيار الشعوب العربية ، و المقاومة برغم حجم الخسائر أعادت الحياة لطرح القضية الفلسطينية ، وأظهرت إسرائيل على حقيقتها .
هناك ضرورة إلى أن تتجه الدول العربية إن كانت حريصة على الأمن القومي العربي إلى بناء مواقف متضامنة تجاه القضايا العربية الأساسية لا الإهتمام بقضايا أخرى إنصرافية لا تخدم المنطقة العربية في شيء مع الإعتماد في ذلك على نهج الحوار وليس التراشق الإعلامي .ولقد تبين بالدليل القاطع أنه بدون فضاء عربي محيط داعم للمقاومة، فأنه لا أمل بتوفير الظروف المناسبة لها. وللأسف فأن المحيط العربي لا يكتفي بعدم تحريك ساكنًا، بل يتورط في العدوان ويوفر لإسرائيل المخارج السياسية لتحقيق الإنجازات. وبكل تأكيد أن المقاومة الفلسطينية تغيير هذا الواقع العربي، لكنها في نفس الوقت يجب عليها أن تضعه في الحسبان عند تخطيطها لخطواتها.
هناك قلق من مخططات اسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية تستهدف الشعب الفلسطيني ومستقبله وحقه في اقامة الدولة المستقلة. وطوال الاشهر الماضية كانت وسائل الاعلام تتداول معلومات وتحليلات عن سيناريوهات اسرائيلية لحل القضية الفلسطينية وفق خطة تقوم على الحاق قطاع غزة بمصر وسكان الضفة الغربية بالاردن، وشرعت مراكز دراسات اسرائيلية وامريكية في وضع تصورات لتطبيق هذه الخطة ومناقشة مزاياها والعقبات التي تعترض طريقها.نحن اذا امام اخطار جدية ووشيكة تستدعي من الحكومات والجهات المسؤولة في الدول اتخاذ خطوات عاجلة في مواجهتها.
كما تشير بعض التقارير الى أن اسرائيل صرفت النظر عن حل الدولتين وتسعى لفرض حقائق جديدة على الارض تقوم على تكريس الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة تمهيدا لخطة الالحاق بمصر والاردن. ويأتي العدوان الاسرائيلي على غزة كخطوة لتنفيذ هذا السيناريو حيث تسعى اسرائيل الى تصفية حركة المقاومة "حماس" في القطاع ينشأ بعدها فراغ يفرض على مصر التدخل لادارة غزة لتتفرغ اسرائيل بعد ذلك الى تطبيق المرحلة الثانية من الخطة في الضفة الغربية في عهد الرئيس الامريكي الجديد باراك اوباما.
وتقول الكاتبة الاسرائيلية روكاش في كتابها ارهاب إسرائيل المُقدس.. من مذكرات موشي شاريت ان أمن إسرائيل يبقي ذريعة رسمية للدولة العبرية والولايات المتحدة لانكار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في وطنه... تم قبول تلك الذريعة كتفسير شرعي لانتهاك إسرائيل للقرارات الدولية التي تدعو الي عودة الشعب الفلسطيني الي وطنه وان من تصفهم بالقتلة الإسرائيليين يمارسون منهج طرد وابادة ولا يترددون في التضحية بأرواح يهودية لضمان وجود درجة من الاستفزاز تبرر العمليات الانتقامية التالية.
لا يمكن في سياق الحديث عن التطور التكنولوجي الإسرائيلي إغفال دور المساعدات العسكرية والاقتصادية والفنية والعلمية التي قدمتها أوروبا وخصوصاً ألمانيا الغربية وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية وتجمع المصادر على أن التعويضات الألمانية تكتسب أهمية بالغة من حيث دورها الفاعل في حصول "إسرائيل" على خطوط إنتاج لبناء الغواصات كما تم بناء 3 غواصات لمصلحة "إسرائيل" في أحواض بريطانية بتمويل جزئي من ألمانيا، كما أن "إسرائيل" استطاعت - بفضل المعونات المالية - بناء محطات للطاقة الكهربائية وتطوير بنيتها الأساسية من المطارات والموانئ والأساطيل التجارية وطرق المواصلات والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية ومصانع الأغذية والأسمدة، كما استفادت "إسرائيل" من الدعم الألماني في تطوير قدراتها الحربية، وابتداء من عام 1969 بدأت البنوك الألمانية بمباركة أمريكية في تنفيذ برنامج واسع النطاق من الاستثمارات الصناعية في "إسرائيل" وتطوير الأراضي التي احتلت عام 1967، ولا تقل المساعدات البريطانية عن تلك التي قدمتها ألمانيا إلى جانب المساعدات الفرنسية أيضاً. وفي التحليل النهائي فإن المساعدات الخارجية التي قدمت لـ"إسرائيل" من مصادر أوروبية كان لها الأثر البالغ في بناء وتنشيط آلية الإنتاج المدني والعسكري في شتى مجالات المعرفة.
وتتى المساعدات الامريكية فى اطار إعفاء "إسرائيل" من قواعد المساعدات الأمريكية المطبقة على الدول الأجنبية المنتفعة بالمعونات الأمريكية حسبما جاء في تقرير السيناتور دول عضو مجلس الشيوخ الأمريكي السابق في أن تلك القواعد تقضي بأن أموال المعونات لشراء السلاح لا تستخدم إلا للغرض الذي خصصت من أجله من شراء سلع وخدمات مصدرها الولايات المتحدة ولا يجوز استخدامها في تمويل عملية البحوث والتطوير، لكن "إسرائيل" على وجه الاستثناء سمح لها باستخدام أموال برامج المساعدات الأمريكية هذه في عمليات البحث التكنولوجي، ويذكر أن السيناتور (روبرت بيرد) قد أيد ذلك وأضاف أنه منذ عام 1991 سمح لـ"إسرائيل" باستخدام المعونة الأمريكية والهبات الأمريكية على الإنفاق على عمليات التطوير العسكري في الولايات المتحدة نفسها، كما سمح لها بعد ذلك وللآن بإنفاق مبالغ كبيرة من المعونة الأمريكية على التطوير العسكري والمدني وفي مجالات أخرى شتى، كما كان هناك تنازل أمريكي آخر يقضي باعتبار الأموال الأمريكية الممنوحة لـ"إسرائيل" كزيادة في دخلها العام، وكنتيجة لذلك حرمت الولايات المتحدة نفسها من أي وسيلة تتأكد بواسطتها من كيفية إنفاق "إسرائيل" لهذه المعونات الأمريكية.
خلاصة القول، إن زيارة رئيس دولة جنوب السودان إلى إسرائيل وما أسفرت عنه من نتائج تشير إلى أن مستقبل العلاقات بين الجانبين سيكون أكثر تعاوناً، وربما تصبح دولة جنوب السودان خلال وقت قصير قوة إقليمية فاعلة وحليفاً مهماً لإسرائيل والغرب. ورغم ما قد يثيره ذلك من تحفظات، فإنه يشير إلى ضرورة اتخاذ خطوات إيجابية من جانب الدول العربية لاحتضان الدولة الوليدة وتعزيز العلاقات معها لتكون قوة داعمة للعرب وقضاياهم وليس مصدراً إضافياً للتهديد.