تناول مركز الراصد في 12أكتوبر 2008م في منتداه الدوري الأزمة المالية العالمية وتداعياتها باعتبارها أزمةً ألقت بظلال سالبة على اقتصاديات دول كثيرة بصورة مباشرة وعلى دول أخرى بصورة غير مباشرة ، وستستمر تداهعياتها لفترة من الزمن . وقد تطرق المنتدى لعدد من المحاور تتمثل في وضعية الاقتصاد العالمى قبل وبعد الحرب العالمية الثانية ، ودور الإستعمار فى ترسيخ التبعية الاقتصادية فى العالم الثالث ، ومؤسسات التمويل الدولية (صندوق النقد الدولى- البنك الدولى) ودورهما فى التنمية الإقتصادية العالمية ، إرهاصات الأزمة المالية العالمية الحالية ، ودور الولايات المتحدة الامريكية فى الأزمة ، الإحتمالات والسيناريوهات المتوقعة إزاء الأزمة الحالية ، إنعكاسات الأزمة المالية العالمية على دول العالم الثالث ، تأثير الأزمة المالية العالمية على السودان وصولاً إلى رؤية مستقبلية لتجاوز هذه الأزمة وتداعياتها .
وبعد نقاش ثر ومستفيض خرج المنتدى ببعض الخلاصات نذكر منها :-
1. أثارت أزمة القروض العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة وتداعياتها التي تفاقمت في شهر سبتمبر الماضي فزعاً داخل أسواق المال العالمية ، وسط مخاوف من تكرار الأزمة المالية الآسيوية عام 1997م وآثارها السيئة على الإقتصاد العالمي .
2. ولأن مصدر الأزمة هو أقوى إقتصاد في العالم ، فقد بادرت البنوك المركزية في العالم خاصةً في أوروبا وآسيا بضخ آلاف المليارات من الدولارات لمواجهة لمواجهة نقص السيولة الناجم عن خسائر المؤسسات المالية المقرضة ، إضافةً إلى تدخل الإحتياطي الفدرالي الأمريكي بخفض سعر الخصم الأساسي .
3. حدثت الأزمة الحالية بعد فترة إزدهار عاشتها المؤسسات المالية وصناديق الإستثمار الأمريكية والأوروبية والآسيوية خاصةً ، مستفيداً من ارتفاع أسعار المساكن وزيادة الأرباح منها وانخفاض الفائدة بالولايات المتحدة . وقد شجع الإزدهار الكبير لسوق العقارات الأمريكية مابين عامي 2001 – 2006م البنوك وشركات الإقتراض على اللجوء إلى الإقتراض العقاري مرتفع المخاطر ، وهو منح قروض ضخمة لمقترضين كثر لديهم سجل إئتماني ضعيف أو يفقدونه تماماً ، كما توسعت المؤسسات المالية في إعطاء القروض للمؤسسات العقارية وشركات المقاولات والتي زادت رأس مالها عن 700 مليار دولار . لكن إرتفاع معدَّل الفائدة العام أدى إلى تغيُّر في طبيعة السوق الأمريكية تمثل في انخفاض أسعار المساكن ، الأمر الذي شكَّل بداية إشتعال الأزمة الحالية إذ توجَّب على الكثير من المقترضين سداد قروضهم ، فبدأت المؤسسات المالية وشركات الإقتراض تعاني تداعيات تلك القروض الكبيرة المتراكمة .
4. مازال الإضطراب والقلق يعمان دول العالم من تداعيات أزمة القروض مع إمكانية إنتشارها وإتساع دائرة المتضررين منها .
5. أدى ارتباط عدد كبير من المؤسسات المالية - خاصةً الأوروبية والآسيوية – بالسوق المالية الأمريكية إلى أن تطال الأزمة شركات القروض العقارية والمصارف وصناديق التحوط وشركات الإستثمار والأسواق المالية في جميع أنحاء العالم .
6. يتفق معظم خبراء الإقتصاد على أن حجم تداعيات الأزمة في المستقبل لم يتضح بعد . فرغم الهدوء الظاهري لتداعيات أزمة القروض العقارية الأميركية العالية المخاطر على اقتصاد الولايات المتحدة وعلى أسواق العالم، فإن المخاوف لا تزال بادية لدى المراقبين والمستثمرين لأن آثار الأزمة لم تنجل بعد لمعرفة حجمها. ودفع ذلك وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز إلى التأكيد أنه من المبكر جدا الإعلان عن انتهاء الأزمة المالية المتعلقة بالقروض العقارية، مشيرا إلى احتمالات تراجع اقتصادي حاد في الولايات المتحدة. ولم يستبعد خبراء أمريكيون خطر حدوث انكماش سيكون الأعلى منذ المرحلة التي تلت هجمات 11 سبتمبر 2001 رغم تدخل الاحتياطي الفدرالي الأميركي عدة مرات للتعويض عن ضغط عمليات البيع الكبيرة إثر انهيار سوق الرهن العقاري.
7. سعت الإدارة الأميركية عبر مشروع خطة إنقاذ القطاع المصرفي الذي أدخلت عليه تعديلات طفيفة وأقره (الكونجرس) في 2 أكتوبر 2008م ، إلى معالجة الأزمة ، حيث أتاحت الخطة قيام الدولة بشراء أصول هالكة مرتبطة بالرهن العقاري بقيمة 700 مليار دولار ، على أن :-
- تساهم الدولة في رؤوس أموال وارباح الشركات المستفيدة (تأميم) .
- يكلف وزير الخزانة بالتنفيذ على أن يشرف على عمله مجلس مراقبة ومكتب المحاسبة العامة ومفتش عام مستقل.
- يتم التنسيق مع الدول الأخرى لإتخاذ إجراءات مماثلة .
- رفع سقف الضمانات للمودعين من (100) ألف دولار إلى (250) ألف دولار لمدة عام واحد .
- منح إعفاءات ضريبية قيمتها (100) مليار دولار للطبقة الوسطى والشركات .
- تحديد مستحقات رؤساء الشركات الذين يتم الإستغناء عن خدماتهم .
8. وقد هدفت تلك الخطة إلى تأمين حماية أفضل للمدخرات والأملاك العقارية التي تعود إلى دافعي الضرائب وحماية الملكية وتشجيع النمو الاقتصادي وزيادة عائدات الاستثمارات إلى أقصى حد ممكن. وقد شكك البعض في مقدرة خطة الرئيس الأمريكي في إنعاش اقتصاد الأمريكي.
9. هناك غموض بشأن التداعيات المستقبلية لأزمة القروض عالية المخاطر في قطاع التمويل العقاري بالولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي. وقد تنبأت بعض الدوائر بحدوث أحد ثلاثة سيناريوهات لتداعيات الأزمة في المستقبل تتمثل في:-
• أن تسهم السياسات النقدية للدول في إحداث تأثير بسيط على الاقتصاد العالمي.
• أن تتعرض الولايات المتحدة لكساد مع تداعيات كبيرة مماثلة ستقع في جميع أنحاء العالم.
• أن يتبع دخول الولايات المتحدة في كساد وضعاً مظلماً للاقتصاد العالمي عبر حدوث تداعيات أكثر سوءاً. ويتسق الاحتمالان الثاني والثالث مع توقع وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز بحدوث تراجع اقتصادي حاد في الولايات المتحدة ، وتأكيده أيضا أنه من المبكر جداً الإعلان عن انتهاء الأزمة المالية المتعلقة بالقروض العقارية. ويرجِّح بعض من المحللين حدوث كساد مع تداعيات كبيرة مماثلة ستقع في جميع أنحاء العالم ، باعتبار أن ما يجري في أسواق الولايات المتحدة ينتقل إلى أوروبا وآسيا خلال زمن وجيز.
تداعيات عامة للأزمة :
• أدت الأزمة الحالية إلى إفلاس عدد من شركات الإقتراض الأمريكية كما أدت إلى تدهور أسعار أسهم العديد من كبرى شركات الإقتراض العقاري التي قررت خفض نحو خُمس العاملين فيها لمواجهة خسائرها ، كما جمَّدت جميع البنوك الأوروبية صناديقها العاملة في المجال العقاري بالولايات المتحدة .
• يرى كثير من الخبراء والمراقبين أن الأزمة الحالية ستتصاعد وستتحول إلى أزمة إقتصادية شاملة تلقي بتداعياتها وتأثيراتها على كل دول العالم خاصةً الفقيرة منها ، وبينما يرى البعض بأن السودان لن يتأثر بالأزمة الحالية لأنها لا تتعامل مع أمريكا وأن هناك مقاطعة معلنة من قبل الولايات المتحدة تجاه السودان منذ زمن ليس بالقصير وأن الحراك الإقتصادي السوداني يدور بعيداً عن أمريكا ، يرى آخرون أن السودان ليس بعيد عن تلك التداعيات التي انتشرت لتعم آسيا وأوروبا وتهدد الإقتصاد العالمي بأسره .
• لقد بدأت بوادر كساد عالمي أكدته تقارير المنظمات الدولية محذرةً من أن معاناة الدول الفقيرة ستتضاعف خلال الفترة القادمة مما يستوجب إتخاذ تدابير إحترازية لتفادي الآثار السالبة للأزمة الحالية.
• خسرت السوق العربية 200 مليار دولار منذ بداية الأزمة ، إذ تقدر الاموال العربية فى الولايات المتحدة الامريكية اكثر من تريليون دولار . وقد تأثرت اسواق الخليج العربى بالأزمة لارتباطها بالاقتصاد الرأسمالي الامريكي .
• طلبت الولايات المتحدة من اصدقاءها العرب ضخ المزيد من الاموال فى الاسواق الغربية وعدم سحب اموالها واموال رعاياها ، ولن تقوى الدول العربي على رفض ذلك الطلب .
تأثير الأزمة على السودان :
• هناك أمور تحد من تأثير الأزمة على السودان ونظامه المصرفي وذلك كما يلي :-
1. النظام الاسلامى والرقاب الشرعية .
2. التحول من الدولار الى اليورو بسبب المقاطعة الامريكية والاوربية .
3. السوق السودانية صغيرة وتقليدية وغير مندمجة مع الاقتصاد العالمي والاقتصاد الحقيقي لم يتأثر بدرجة كبيرة .
4. عدم العمل بسعر الفائدة يعتبر حصانة ضد هذا النوع من الأزمات .
5. عدم وجود بيع للديون فى السودان .
6. عدم وجود قروض عقارات على مستوى كبير .
7. كذلك لاتوجد قروض للطلاب.
8. عدم وجود مضاربين فى السوق السودانية ، ولكن ينبغي التنبه إلى المستثمرين القادمين من الخارج .
• نتيجة لتباطؤ نمو الإقتصاد العالمي بسبب الأزمة متوقع أن يقل استهلاك الوقود خاصةً في الولايات المتحدة الأمر الذي سيؤدي إلى إنخفاض في أسعار البترول ، وستتأثر المالية العامة للسودان لأنها تعتمد على العائد من صادر البترول بنسبة 55 من الإيرادات العامة، وتشكل أكثر من 90% من عائد الصادرات .
• من المتوقع أن ترتفع كلفة التأمين على كافة أنواع البضائع بما يعني المزيد من ارتفاع الأسعار لدى المستهلك الأخير الذي مازال يعاني من ارتفاع أسعار المواد الغذائية .
• من المتوقع أن تخرج عدد من الإستثمارات التي تعتمد في تمويلها على مصارف غربية كالإستثمارات الخليجية ، أما استثمارات الدول في قطاع البترول كالصين وماليزيا والهند فستستمر .
• لا يتوقع أثر سالب كبير على البنوك السودانية لعدم تورطها في رهونات عقارية خارجية ، ولعدم اعتماد خطابات إئتمانها من قبل البنوك المنهارة ، وربما تتأثر البنوك التي يساهم فيها رأس المال الخليجي بصورة مقدرة .
• لا يتوقع أن تتأثر شركات التأمين السودانية وعلى رأسها (شيكان) لأن إعادة التأمين تتم بعيداً – إلى حدٍ ما – عن السوق الأمريكية بسبب المقاطعة .
• ستقوي الأزمة الحالية من وزن السودان الإقتصادي نسبةً لإمتلاكه موارد أصيلة هائلة في مجال الزراعة ، وهو أضمن استثمار ، ومن المتوقه أن تتجه له استثمارات الدول أكثر من الإستثمارات الفردية .
• ربما تعرقل الأزمة إعفاء السودان من ديونه وتسهيلات القروض وبرامج مكافحة الفقر العالمية خاصة من الدول الصناعية الغنية (8G) .
• سوف يتأثر جنوب السودان من الأزمة المالية الحالية لاعتماده على البترول اعتماداً كلياً , كما يعتمد على الغرب والولايات المتحدة الامريكية والأثر يكون كالاتي:-
1. المعونات الامريكية بجنوب السودان والمناطق الاخرى المختارة سوف تتقلص وربما تقف .
2. المعونات الاوروبية أيضاً سوف تتقلص الى حد كبير .
3. يعتمد الجنوب على الدولار بشكل كبير مما يعنى فقدان القوة الشرائية للدولار وسوف يؤثر ذلك على اقتصاد الجنوب بمحاوره المختلفة.
4. صادرات وواردات الجنوب سوف تتأثر خاصة مع الغرب.
5. أموال الجنوب المودعه فى الغرب ايضاً سوف تتأثر .
6. بنوك الجنوب تحتاج للمزيد من المراقبة والضبط خاصة فى ظل الاقتصاد الرأسالي الربوي الذي ليس له ضابط شرعي مما يعنى تسرب الازمة عبر البنوك بغسيل الاموال والقروض المختلفة وغيرها
• بصورة عامة هناك ثلاث محاور ستؤثر سلباً على الإقتصاد السوداني تتمثل في:-
1. أصبح الإقتصاد السوداني في الفترة الأخيرة يعتمد بشكل أساسي على عائدات البترول ، ولاشك أن هذا الإعتماد له مخاطر كارثية كبيرة ، فالصادرات غير البترولية ظلت في تدني مستمر ، وكان يتوقع أن تسخَّر العائدات البترولية لخدمة القطاع الزراعي باعتباره القطاع الذي يستوعب غالبية نشاط المجتمع السوداني .
2. الكساد العالمي سيؤثر على شروط التجارة الخارجية وعلى أسعار السلع والمواد الأولية التي تنتجها دول العالم الثالث ولذلك فإن عائدات تلك الدول من هذه السلع قد ينخفض ، وبالتالي لا يتوقع زيادة تذكر في حصيلة صادرات السودان غير البترولية في ظل الكساد الماثل والمتزايد ، هذا إذا نجحت الجهود الرامية إلى زيادة الرقعة المزروعة .
3. عائدات السودان من مساهمات المانحين في مشاريع إعادة التعمير وفي العون الإنساني الذي يقدم لبعض المناطق المحتاجة ، يتوقع أن تنخفض كثيراً ، خاصةً في ظل إنشغال الدول الغنية بتوفير الأموال اللازمة لإنقاذ أسواقها . وهذا بدوره يلقي على عاتق الإقتصاد السوداني مسؤوليات فوق طاقته .
• تلك المحاور تفرض على القائمين على أمر النشاط الإقتصادي إجراء دراسات متعمقة للموقف في ضوء التطورات العالمية ، والوقوف على الخيارات والبدائل والمعالجات المتاحة والممكنة في ظل الظروف المحلية الماثلة ، ومن ثم اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الإقتصاد السوداني ، وللحيلولة دون أن تؤدي الأزمة الحالية إلى تأثيرات سالبة ومدمرة .\
وقد أوصت الجلسة بتوصيات تتعلق بالشأن السوداني تتمثل في :-
1. على الدولة إيقاف برامج الخصخصة المتعلقة بالمشروعات الإنتاجية الزراعية والحيوانية ، وعدم بيع أسهمها في المشاريع الزراعية .
2. تفعيل الدور الإعلامي لتوضيح عدم وجود تأثير على المودعين الذين بدأوا فى سحب اموالهم لقلة المعلومات عن الأزمة ، وبث تطمينات للقطاعات المختلفة التي تعاني من فجوة معلوماتية تتعلق بالأزمة وتداعياتها .
3. التنسيق بين الدول العربية للتعامل مع الأزمة والإستفادة من عودة الأموال العربية الى الحظيرة العربية ، والعمل على جذب نسبة مقدرة منها ، وذلك من خلال إعداد خطط لمشاريع مشتركة لأن ذلك مدعاةً لتأمين العلاقات حتى تقف في وجه التحديات الماثلة.
4. لابد ان يلعب البنك المركزى دور محوري فى تخطى هذه الأزمة من خلال حلول غير تقليدية وذلك بالإستفادة من كل الخبرات بغض النظر عن الإتجاهات السياسية وغيرها .
5. تخفيض الإنفاق العسكري وزيادة الانفاق على الزراعة والصناعة .
6. عدم الركون الى المانحيين والمساعدات والهبات العالمية.
7. الصرامة فى تطبيق القوانيين واللوائح على كل الأفراد فيما يتعلق بتعاملات النظام المصرفي والتخلص من التأثيرات السياسية والإجتماعية على ذلك النظام .
8. تفعيل دور الأمن الإقتصادي والإستعانه بالخبراء فى المجالات المختلفة لإكتشاف الثغرات والتجاوزات قبل إستفحالها .
9. ضبط مخالفات السياسيين البنكية والتشديد فى تطبيق القانون والضمانات.
10. مراجعة سياسات وضوابط منح الإئتمان والتشدد فى ذلك دون إعتبار للجوانب السياسية أو الإجتماعية أو غيرها .
11. خفض سعر الفائدة لجذب الأموال الهاربه من الخارج .
12. تشكيل لجنة لجذب الأموال التى تهرب من مكان الأزمات وتوجيهها الى القطاعات المنتجة الزراعية أو الصناعية ، خاصةً أن الأموال العربية بدأت تهرب من الولايات المتحدة لمناطق أثر أمناً .