يتناول هذا العدد التطـورات السياسية في الصـومال بدءاً لابد من التحدث عن إستراتيجية منطقة القرن الإفريقي ، تلك المنطقة التى تتميز بكثرة التدخلات الأجنبية المتكرره ، وتعود هذه التدخلات المتكررة إلى حروب طويلة منذ القرن الثالث عشر ، وحتى الآن لم تخلو هذه المنطقة من التدخلات وبخاصة الصومال ، ولعل السبب وراء هذه التدخلات يعود فى الأساس إلى وجود المسطحات المائية ومضيق باب المندب فى المنطقة وهو مضيق مهم سواء فى حالة السلم أو الحرب .ولاشك فى أنَّ وجود باب المندب ووجود مسطحات مائية طويله يشكلان عنصراً من أهم العناصر الإستراتيجية ، الأمر الذى أدى إلى لفت أنظار القوى العظمى فى العالم ، ونجد كذلك أن أطول ساحل فى إفريقيا اليوم يقع فى الصومال حيث الخليج العربي والمحيط الهندي ، ويبلغ طول السواحل الصومالية حوالي ( 3633 )كيلومتر ، وقد لعبت تلك السواحل دوراً مهماً فى التبادل التجارى الذى كان يتم قبل الإسلام وكانت هنالك تجارة مباشرة بين الفراعنه والصومال ، وكانوا يسمون الصومال بلاد العود أي أرض البخور . ونجد أنه قبل ألف وخمسمائه سنه قبل الميلاد تمت زياره الملك للسواحل الصومالية ، وكانت هنالك تجارة بينية مع الصومال والهند والجزيرة العربية ، ولاشك أن هذه كلها تجعل من منطقة القرن الإفريقي عموماً ومنطقة الصومال على وجه الخصوص منطقة إستراتيجية هامة جداً .
ويمكن القول بأن مملكة الصومال ومملكة القرن الإفريقي يمثلان الطريق والمعبر الذى يربط قارة إفريقيا بقارة آسيا ، وتمثل الصومال بوابة لشرق إفريقيا مع إريتريا والسودان . وتجمع منطقة القرن الإفريقي العديد من السلالات البشرية سواء كانت هذه السلالات سامية أو سلالات حامية أو سلالات نيلية ، هذا إضافة إلى تعدد القوميات المحلية الأمر الذى يؤدى إلى بعض التدخلات الخارجية لنصرة قومية معينة على أخرى ، وبشكل عام نستطيع أن نقول إن هذه المنطقة تعيش فيها عدد من الأديان السماوية مثل المسيحية والإسلام بالإضافة إلى التقاليد والمعتقدات المحلية الأخرى .
أما بالنسبة للأهداف التى تدفع بالدول الأجنبية للتدخل فى المنطقة فتتمثل فى حماية المصالح الاقتصادية قديماً ، وحديثاً يتدخلون لحماية المصالح الاقتصادية وغير الاقتصادية . ويقال أن البرتقاليين عندما جاءوا لمنطقة شرق إفريقيا كانوا يبحثون عن طريق آخر إلى الهند ، ذلك أن التجارة كانت تمر عبر الجزيرة العربية وصولاً إلى الهند، فكانوا يريدون أن يحولوا هذا الطريق ومن ثم كان إكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح . وهناك رأى آخر يقول إنهم كانوا يبحثون عن إثيوبيا والمملكة المسيحية التى كانت اقرب فى ذلك الوقت للبرتقال ، ولم يكن يعرف طريق إلى هذه المملكة المسيحية إذ أنها كانت مملكة محصورة في الهضبة الحبشية ومحاطة بالشعوب الإسلامية ، وللبحث عن هذه المملكة قام البرتقاليون بالإنتشار فى قارة إفريقيا كلها، وقد دارت معارك ضارية بين البرتقاليين والأتراك وقوات الجانب الصومالي في منطقة الحبشة مقر المملكة المسيحية .
ولاشك أنهم يأتون لحماية المصالح وحماية الأقليات الدينية المسيحية فى منطقة القرن الإفريقي ، وحتى الآن لاتخلو هذه المنطقة من التدخلات رغم أن المسيحية تعتبر أقلية في منطقة القرن الإفريقي ، فنجد أن المسلمين يشكلون ( 60% ) في إثيوبيا وفي كينيا ويوغندا فيعتبرون أغلبية أيضاً وذلك بضمهم للوثنيين وجميع المعتقدات .
ولاشك في أن المسيحيين أقل من المسلمين في كل تلك الدول ، فنجد أن المسيحية أقلية في إريتريا وفي إثيوبيا بل وفي كل دول شرق إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي تعتبر المسيحية هى الأقلية . هذه من الناحية الواقعية والحقيقية ، إلاَّ أن الدول العظمى تأتي لمناصرة هذه الثقافات وهذه الأقليات الدينية على الأغلبية الإسلامية ، ودائماً ما تأتي التدخلات تحت مزاعم إنسانية مثل التدخل الذى تم فى عام 1992م في الصومال . فبعد الانتصار الذى أحرزته الولايات المتحدة في حرب الخليج حاولت أن تحرز إنتصاراً آخر يكون هدفه إنسانياً في منطقة القرن الإفريقي وفي الصومال على وجه الخصوص .
وبالنسبة لمسيرة التدخلات الأجنبية فى منطقة القرن الإفريقي يمكن تناول التدخل الذى حدث فى عام 1977م الذى قامت به قوات الاتحاد السوفيتي والقوات الإثيوبية لهزيمة الجيش الصومالي الذى كان يسيطر على منطقة الشمال الغربي أو منطقة الأوغادين المجاورة للشمال ، حيث جاء الاتحاد السوفيتي لنصرة إثيوبيا ونصرة الأقلية المسيحية هنالك ، وكان الصومال في ذلك الوقت يتوقع أن يجد نصرة من القوة المعادية للإتحاد السوفيتي لكن القوتين كانتا متفقتين على هزيمة الجيش الصومالي وإخراجه من إثيوبيا .