|
مقالات
وتحليلات
ميزانية الخوف الإسرائيلية
الكاتب : .........
ألقت المخاوف والتحديات الأمنية التي تواجهها إسرائيل
بظلالها القاسية
على الميزانية السنوية للدفاع والأمن لعام
2009 ، بحيث جعلت منها بامتياز ميزانية الرعب
والخوف ، إذ تكاد تكون ميزانية الدفاع والأمن
في الدولة العبرية ، هي الميزانية الأعلى بين
مختلف قطاعات الميزانية السنوية الإسرائيلية ،
وهي في تزايدٍ مستمر ، عاماً بعد آخر ، ولكنها
في السنة الأولى بعد الستين شهدت ارتفاعاً
عالياً ولافتاً ، لمواجهة التحديات الوجودية
التي تتهدد وجود ومستقبل الدولة العبرية .
ويقع على الحكومة الإسرائيلية والولايات
المتحدة الأمريكية معاً توفير ميزانية الدفاع
والأمن ، حيث تتعهد الإدارة الأمريكية دوماً ،
وإلى مدة عشر سنواتٍ قادمة ، بتغطية نقفات
واحتياجات الدفاع والأمن الإسرائيلي ، وتكاد
تضاهي ميزانية الدفاع والأمن الإسرائيلية
ميزانيات الدول الكبرى ، وأضعاف مجموع
الميزانيات العسكرية والأمنية للدول العربية
مجتمعة .
فبعد نقاشاتٍ مطولة ، وتحت وطأة الأزمات
السياسية والعسكرية التي تواجهها القيادة
الإسرائيلية ، وأمام غول التهديد الإيراني
والسوري ، وتهديدات الفصائل الفلسطينية وحزب
الله اللبناني لإسرائيل ، صادقت الحكومة
الإسرائيلية بأغلبيةٍ طفيفة على ميزانية عام
2009 ، في نهاية جولة من المباحثات استمرت 14
ساعة متواصلة ، وتفجرت خلالها خلافات وناقشات
حادة داخل الائتلاف الحكومي كادت أن تؤدي إلى
تفكيكه ، ولولا صوت الخوف المنبعث من داخل
الإسرائيليين ، والحرص على تحصين الجبهة
الداخلية الإسرائيلية ، لما أمكن المصادقة على
الحصة الكبيرة التي حظي بها الدفاع والأمن
الإسرائيلي ، حيث حافظت الحكومة الإسرائيلية
على الميزانية العالية للجيش الإسرائيلي ،
وراعت فيها الاحتياجات الأمنية والعسكرية
المتجددة للجيش والمؤسسة الأمنية ، وحافظت على
البنود السرية للنفقات العسكرية والأمنية ،
وكانت الميزانية قد قلصت نسبة 1% من ميزانية
مختلف الدوائر الحكومية باستثناء ميزانية
الدفاع والأمن الداخلي ، التي تميزت بزيادةٍ
ملحوظة تجاوزت عتبة ألـ 250 مليون دولار
أمريكي ، ورغم الزيادة التي حصلت عليها
المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية ،
والموافقة على زيادة عديد وعتاد جهاز الأمن
الداخلي ، إلا أن أيهود باراك وزير الدفاع
الإسرائيلي لم يكن راضياً عن هذه الزيادة ،
وطالب بزياداتٍ أخرى الجيش الإسرائيلي ،
معتبراً أن زيادة ميزانية الدفاع غير كافية ،
بالنظر إلى الخطط الموضوعة على المدى الطويل ،
وكان أيهود باراك قد طالب الحكومة الإسرائيلية
بزيادة إضافية في ميزانية وزارته لتغطية
الزيادة في أسعار النفط والكهرباء والهبوط
الحاد في سعر الدولار ، باعتبار أن حوالي 30%
من ميزانية الدفاع والأمن تصل بالدولار من
الولايات المتحدة الأمريكية ، الأمر الذي سبب
خلافاً بينه وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية
أيهود أولمرت ، الذي اتهمه بالعمل على تدمير
إقتصاد دولة إسرائيل .
وبلغت الميزانية الإسرائيلية لعام 2009 لأول
مرة أكثر من 91 مليار دولار ( 309 مليار شيكل
) ، وهي الميزانية الأعلى في تاريخ الدولة
العبرية ، وتشكل ميزانية الدفاع والأمن 17.5 %
من الميزانية العامة ، أي ما يعادل ستة عشر
مليار دولار ، بينها 2.4 مليار دولار مساعدة
أمريكية سنوية ، وتعتبر هذه الميزانية الأمنية
والعسكرية الأكبر في تاريخ إسرائيل .
ووفقاً لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية فإن
ميزانية الجيش الإسرائيلي تبلغ 50.5 مليار
شيكل ( 13 مليار دولار ) ، منها 20 مليار
رواتب ، و4 مليارات رسوم إعاقة ولعائلات
الجنود القتلى ، ومليار تكلفة التدريب ، و800
مليون شيكل غذاء ، و350 مليون شيكل ضريبة ،
و150 مليوناً مصاريف الهواتف ، و100 مليون
شيكل سفريات الجنود وتنقلاتهم . ( الدولار =
3.875 شيكل )
ويتوقع خبراء إسرائيليون أن تجري تغييرات أخرى
على ميزانية العام 2009 الخاصة بالدفاع والأمن
، حال عرض مشروع ميزانية العام 2009 على
الكنيست الإسرائيلي للمصادقة ، حيث يتوقع أن
يطالب أعضاء الكنيست الإسرائيلي بزياداتٍ أخرى
لصالح الأمن والدفاع ، وذلك في ظل قراءاتٍ
خطرة على الواقع الإسرائيلي في السنوات
القادمة ، وحاجة إسرائيل إلى المزيد من عمليات
الحصانة الداخلية ، رغم التوقعات بركودٍ
اقتصادي كبير ستشهده إسرائيل والعالم ، قد
يجعل من الصعب على الحكومة زيادة الإنفاق
الأمني والعسكري ، ولكن العيون الإسرائيلية
تتوجه إلى الإدارة الأمريكية لسد الفجوات ،
وتغطية أي عجز تعاني منه الميزانية العسكرية
والأمنية الإسرائيلية ، بالإضافة إلى تلبية
رغبات واحتياجات المؤسسة الأمنية والعسكرية ،
رغم أن الإدارة الأمريكية أعلنت أنها لن تتمكن
من زيادة مساعداتها الأمنية المقدمة لإسرائيل
، مبررة ذلك أن نفقاتها ازدادت بسبب الحرب على
العراق وأفغانستان ، وكانت الحكومة
الإسرائيلية قد تقدمت بطلب إلى الإدارة
الأمريكية ، بزيادة مساعداتها العسكرية إلى
إسرائيل في العام 2009 بمقدار 600 مليون دولار
.
ولكن الإدارة الأمريكية اقترحت توزيع
المساعدات السنوية لإسرائيل ، بحيث تتلقى
إسرائيل كل سنة علاوة بنسبة 4% من الميزانية
القائمة ، أي بزيادة 200 مليون في 2009 ، و300
مليون في 2010 ، وهكذا ، ولكن بسبب الحاجة
لزيادة ميزانية الدفاع والأمن ، فقد طلبت
الحكومة الإسرائيلية من الولايات المتحدة أن
تغير الصيغة ، وتمنح إسرائيل كل سنة زيادة
ثابتة بمقدار 600 مليون دولار ، لتبلغ حصتها
من المساعدات الأمريكية في كل سنة من السنوات
العشر القادمة مبلغ 3 مليارات دولار ، حيث
تحصل حالياً على 2.4 مليار دولار في السنة .
كما تقدمت إسرائيل إلى الولايات المتحدة
الأمريكية بطلبٍ الحصول على مساعداتٍ عسكرية
وأمنية مباشرة لتطوير قدرات الجيش الإسرائيلي
، بعد فشله في تحقيق أهدافه ضد حزب الله ، في
حرب يوليو / تموز 2006 ، بالإضافة إلى تزويد
الجيش الإسرائيلي بقدراتٍ دفاعية استثنائية
لمواجهة أي هجوم إيراني محتمل عليها .
ويعتبر كبار ضباط الجيش الإسرائيلي أن عام
2009 يجب أن يعتبر عام التعاظم العسكري
الإسرائيلي ، ليتمكن الجيش الإسرائيلي من
استعادة قدراته ، وتجهيز قطاعاته البحرية
والجوية والبرية ، ولهذا يرون وجوب أن تلبي
ميزانية الدفاع والأمن هذه الطموحات
المستقبلية ، وحسب صحيفة يديعوت أحرنوت يرى
كبار ضباط الجيش الإسرائيلي أنه " إذا لم تصل
هذه الأموال ، فمنذ الآن يمكن القول إن سلاح
البحرية سيضطر إلى التخلي عن سفينة الصواريخ
المستقبلية لديه لفترة طويلة ، وبالتأكيد إلى
ما وراء أفق الخطة المتعددة السنوات الحالية ،
أما سلاح الجو فسيؤجل الارتباطات لشراء
الطائرة الحربية المستقبلية إف 35 ، وإن
مخططات تسليح القوات البرية للجيش الإسرائيلي
ستتقلص إلى النصف ، وذلك في مجال المجنزرات
الثقيلة الجديدة التي ستحسن قدرته على
المناورة في الميدان ، كما أن شراء عناصر
تسليح معينة ستتأجل "
وكان باراك قد طالب بزيادة في حصة وزارته
لمجابهة التحديات الناجمة عن التهديد النووي
الإيراني ، وتطور الأسلحة الصاروخية والهجومية
في حوزة حزب الله والتنظيمات العسكرية
الفلسطينية ، والتهديدات العسكرية السورية .
كما تعتبر وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها بصدد
القيام بعددٍ من المشاريع الأمنية والعسكرية
لضمان حماية أمن دولة إسرائيل ، فهي تخطط
لاستكمال بناء الجدار العازل ، الذي تأمل منه
أن يجعلها في مأمنٍ من الهجمات الفلسطينية ،
وإن كانت تطمح في أن تجعله حدوداً سياسية
مستقبلية ، واستكمال تطوير منظومة صواريخ أرو
المضادة للصواريخ بأجيالها المتعددة ، وذلك
لاستكمال مشروع بناء " القبة الفولاذية " التي
تفترض أنها ستحمي السماء الإسرائيلية من أي
هجوم صاروخي ، كما تخطط لإطلاق أقمار اصطناعية
تجسسية من طراز " اوفيك " ، لمتابعة ما يجري
في إيران والدول العربية ، وتسعى لزيادة عديد
وعتاد أفراد الأمن الداخلي الإسرائيلي ،
وتزويدهم بمعداتٍ وآليات تضمن سرعة وفعالية
أداءهم .
وتخطط إسرائيل مع الولايات المتحدة الأمريكية
إلى نشر منظومة صواريخ " باتريوت " المضادة
للصواريخ ، بالإضافة إلى نشر أجهزة الرادارات
الأمريكية الحديثة ، والتي من شأنها متابعة
لحظة إطلاق الصواريخ ، وتحديد مساراتها ،
وتوجيه الصواريخ المضادة لتفجيرها قبل الوصول
إلى الأجواء الإسرائيلية ، وتزويد إسرائيل
بجهاز إنذار مبكر وحديث مضاد للصواريخ ،
وتزويدها بمجموعة جديدة من طائرات ستيلث
المقاتلة " أف 35 " المتملصة من الرادار ،
وذلك لتعزيز قدرات إسرائيل الدفاعية والقتالية
أمام أي هجوم إيراني محتمل عليها ، ولاستبدال
طائرات أف 15 وأف 16 بمنظومة أف 35
الاستراتيجية ، وأف 22 المقاتلة .
كما تسعى إسرائيل للحصول من الولايات المتحدة
الأمريكية على منظومة صواريخ مضادة للصواريخ ،
وأجهزة رادار متطورة ، قادرة على رصد الصواريخ
بعيدة المدى لحظة إنطلاقها من أي مكانٍ في
العالم ، كما طالب أولمرت الرئيس الأمريكي
جورج بوش بتزويد إسرائيل بمنظومة صواريخ مضادة
لصواريخ القسام ، وصواريخ المقاومة الفلسطينية
القصيرة المدى ، وتشمل رزمة المساعدة
الأمريكية لإسرائيل المساهمة في تطوير مشروع
صاروخ حتس 3 ، وصاروخ حوماه ، والاتفاق على
بيع إسرائيل طائرات حديثة ، ورفع مستوى
العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ، وتزويد
إسرائيل بـ 183 طائرة مقاتلة من طراز إف 22 ،
والتي لم تبع واشنطن منها لأي دولة في العالم
، إذ يبلغ ثمن الطائرة الواحدة منها 150 مليون
دولار ، وتتميز هذه الطائرات بأن منظومات
الرادار ليست قادرة على كشفها ، فضلاً عن
مجموعة من طائرات أف 35 الأكثر تطوراً في
العالم .
ومن المقرر أن يناقش الكنيست الإسرائيلي
ميزانية العام 2009 في الخريف المقبل ، على أن
يصوت عليها قبل 31 ديسمبر / كانون الأول
المقبل ، ومن الممكن تمديد فترة المناقشات حتى
مارس / آذار 2009 ، وفي حال عدم تصويت
البرلمان بعد انتهاء هذه المهلة ، فإن الحكومة
تسقط ما لم تعدل في مشروع موازنتها ، ويتم
تنظيم انتخابات تشريعية خلال مهلة ثلاثة أشهر
.
ويذكر أن ميزانية الأمن والدفاع الإسرائيلية
هي الميزانية الوحيدة غير الخاضعة للمراقبة ،
على العكس من ميزانيات الوزارات الإسرائيلية
الأخرى ، حيث تتم المصادقة على كل بند منفرداً
، فإن ميزانية الدفاع تتم المصادقة عليها
كإطارٍ عام ، أي كجموع عام لمصاريف الدفاع
والأمن ، ويتوجب على وزارة الدفاع أن تعرض
تفاصيل على الحكومة أو الكنيست للمصادقة على
ميزانيات مشاريع غير عادية من حيث حجمها
وكلفتها ، وتمتلك الوزارة صلاحيات نقل أموال
من بند لآخر في ميزانيتها بدون الحصول على
مصادقة الحكومة أو الكنيست ، ولكن تبقى أغلب
نفقات ومصروفات الدفاع والأمن سرية ، خاصة
لجهة نفقات القوى البشرية التي تتعامل مع
العملاء وأجهزة الاستخبارات الأجنبية .
إن ميزانية الدفاع والأمن الإسرائيلي للعام
2009 ، هي ميزانية الرعب والخوف من المستقبل ،
فهي ميزانية تتدبر وسائل وآليات الحماية
والتحصين ، في ظل هاجسٍ كبير يلاحق وجود
ومستقبل دولة " إسرائيل " ، فهل تنجح هذه
الميزانية الضخمة في حماية الدولة العبرية من
الأخطار المحدقة بها داخلياً وخارجياً ؟
بيروت في 8/9/2008
مزيد من مقالات وتحليلات
ميزانية الخوف
الإسرائيلية
إسرائيل وهاجس الصواريخ
أزمة دارفور والمخرج
السياسي
من يملك مفاتيح بوابة
رفح
^أعلى |
|